الرئيسية » حوارات » حوار مع أول فتاة صومالية تعمل في مرأب صيانة السيارات

حوار مع أول فتاة صومالية تعمل في مرأب صيانة السيارات

قد تبدو ظاهرة عمل فتاة صومالية مقيمة في العاصمة مقديشو في مرأب لصيانة السيارات أنها ظاهرة غريبة ومثيرة للشفقة، وذلك لكون هذا العمل شاقا ومرهقا، ولأن العاملين فيه في العادة لا يتصفون بالسلوك الحسن كما هو تصور غالبية الشعب.

نصرة حاج حسين وهي تلبس لباس عملها

نصرة حاج حسين إبراهيم التي كسرت هذا الحاجز تعتبر من الفتيات الصوماليات اللائي أبدين تحديا كبيرا أمام العوائق الاجتماعية لكون أسرتها فقيرة، ولم تجد من يعاونها على العمل التقليدي في المجتمع، وها هي بعد سنوات من إجادتها لهذا العمل تحولت إلى ناشطة صومالية تهتم بالضعفاء والأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة، ولها مؤسسة موسومة باسمها تعمل في تشجيع الشباب ومساندة الضعفاء.

ولكي تروي لنا مراحلها، التقت صحيفة “قراءات صومالية” بالناشطة نصرة حاج حسين ، وأجرت معها هذا الحوار:

أولا: حدثنا عن اسمك ومكان ولادتك؟

بسم الله: اسمي نصرة حاج حسين إبراهيم، ولدت في محافظة هيران عام 1998م، وتعلمت القرآن والتعليم الأساسي في مدينة بلدين، ودرست الثانوية في مقديشو، وأتطلع إلى أن أكمل دراستي الجامعية في المستقبل.

ما هي أسباب انتقالك من بلدين إلى مقديشو؟

أنا من محافظة هيران كما ذكرت، وانتقلت إلى مقديشو لظروف قائمة، أبي كان شيخا طاعنا في السن، يبلغ التسعين من العمر، وكان إخواني أصغر مني سنا، ولم يكن لهم معين، وكانت أسرتي فقيرة، وكنت أعمل لهم منذ نعومة أظفاري، وقد بدأت العمل وأنا في السن الثامن من عمري، بدأت العمل من بيع السمبوسة على المارة، ثم انتقلت إلى الزراعة في مزرعة لنا في القرية،  وكانت أمي تساعدني بعض الأحيان، وإن كانت مريضة.

وعندما جاء موسم الجفاف الذي ضرب أنحاء الصومال انتقلتُ إلى مقديشو وأنا في عمر الثالث عشر، وركبت إحدى الشاحنات التي تحمل الفحم، وكنا في الطريق عشرة أيام، وعندما دخلت مقديشو نزلت بأحد أقربائي.

كيف بدأتِ العمل في مقديشو؟

في البداية واجهتي التحديات في بدء العمل في مدينة كبيرة مثل مقديشو،وذلك  لصغر سني وكوني غريبة غير معروفة للسكان، ولا أحد يوظفك في أدنى الفرص فضلا عن العمل، وبعد تفكير طويل قررت أن ألتحق في إحدى مرأب وكراج صيانة السيارات، وكان في البداية عملا شاقا بالنسبة لي.

كيف رحب العمَّال بك في مثل هذا العمل الشاق؟

في البداية التقيت مع اثنين من عمّال المرأب ، وسألتهم إن كان بإمكاني أن أعمل معهم، في البداية لم يتجاوبا معي لاعتقادهم بصعوبة العمل واستحالة أن تقوم فتاة مراهقة بذلك، ولكن في النهاية قمتُ بإقناعهم بضرورة أن أعمل في المرأب، وانضممت إلى العمل، وحقيقة استغرب الجميع بهذه الخطوة، لأنه كان شيئا جديدا في المجتمع الصومالي، وأقنعتُ مدير الكراج، وشرحت له ظروف أسرتي، وبالفعل تعاطف معي، وذرفت الدموع من عينه من أجل وضعي، والحمد لله، أصبح جميع العمال إخوة وأصدقاء لي.

بعد ذلك التقيت بمالك الورشة، وشرحت له ظروف الالتحاق بالعمل، وأعطاني مبلغا من المال، وكنت في الشهور الأولى أعمل بغير راتب، وبعدها كنت أتقاضي راتبا بسيطا (خمسة آلاف شلن) حتى تقاضيت 50 ألف شلن، وكنت أدَّخر جزءا من ذاك المبلغ حتى انتهى العمل، وكنت أعمل في الكراج لمدة تسعة أشهر، وانتقلت إلى كراج ومرأب آخر لإصلاح وصيانة السيارات.

 عملت فيه لمدة عامين بعد انتقالي إليه مع اثنين من معلّمي، وتفننّت في معرفة قطع الغيار وأنواعها، وروح العمل الجماعي مع الشباب في إصلاح وصيانة السيارات المصدومة من غير كلل ولا ملل.

المجتمع الصومالي لا يشجع على عمل الفتيات في مثل هذه المهن، وبالتالي كانت تصلني رسائل  متنوعة تتعلق بالشرف والأخلاق، والبعض القليل كان يشجعني على تحقيق الهدف المنشود، والمهم أن عائلتي ووالداي شجعاني على عملي، وتحمُّلي مشقة تكلفة معيشتهم، أما التعليم فكنت أدرس يومي الخميس والجمعة في مدرسة ثانوية.

هل هناك تحديات واجهتك بعد بلوغك سن الأنوثة الكاملة 16 أثناء عملك؟

كنتُ أهتم بظروف عيش عائلتي، وكنت أؤمن بتجاوز تلك العقبات الاجتماعية، وكان والداي يشجعانني، ويقولان لي: لا تحددي نفسك وفرصك، إنَّ أبي الطاعن في السن (90 عاما) كان من ضمن الجيش الصومالي منذ ما قبل الاستقلال وحتى الحكومة العسكرية، وشارك في الحرب الصومالية الإثيوبية عام 1977م، وتقاعد الآن، والحمد لله إخواتي الأصغر مني يدرسون في المدارس والجامعات، والآن أقوم بشجيع الشباب والشابات، وأسست جمعية تنموية أريد من خلالها تنمية عائلتي ودعم كل ضعيف في المجتمع، وسافرتُ إلى مدينة بيدوا وعملت هناك ندوة حول روح العمل الجماعي، وهذا كله من جهدي الفردي، ولا أجد أي دعم رسمي وغير رسمي.

ما هي اسم مؤسستك ولماذا لم تبحثين عن دعم؟

اسم مؤسستي “مؤسسة نصرة” لتشجيع الشباب ومساعدة الضعفاء، وأموّلها من جيبي، ولا أجد دعما رسميا وغير رسمي، أسافر إلى الأقاليم الصومالية، وأقدّم للمجتمع برامج حول العملي الشباب وتنمية مهاراتهم، وقمت بتنظيم الرياضة خاصة كرة القدم في ولاية جنوب غرب الصومال، مهمتي تنمية قدرات الشباب، وأن أكون قدوة للعمل الذاتي، والاستفادة من قدرات الشباب وإبداعاتم، وأرحب بكل من يساعدني ماديا في مؤسستي.

هل هناك فتيات مثلك يعملن في ورشات صيانة السيارات؟

لا، لم ألاحظ أي فتاة أو امراة تقوم مثل ما أقوم به، لأن مثل هذا العمل شاق وغير معروف للنساء، لكن الحمد لله ازددتّ معرفة وخبرة بعملي وأصبحت مأمونة في أدائها، وعرفني الرجال وأخذوا يبحثون عن الورشة التي أعمل فيها لثقتهم بي، وكان الرجال في البداية لا يثقون بي، ويقولون: كيف أؤمن بسيارتي على امرأة، ولكن بعد التجربة بدأوا  يثقون بي.

في المستقبل هل ستفتتح ورشة لصيانة السيارات تملكينه؟

إن شاء الله، هذا من إحدى أكبر أمنياتي، وأقوم من خلالها بتدريب المزيد من الرجال والنساء.

هل هناك خبرات اكتسبت من هذا العمل خاصة من تعاملك مع المجتمع؟

نعم، أكبر خبرة اكتسبته من المجتمع أن الناس منقسمون ما بين مشجع ومحبط، وأن معظم الرجال متعاطفون مع النساء، وبالفعل وقفوا معي وساندوني، ولم يقوموا بتمييزي.

ما هي الرسالة التي ترسلها إلى الحكومة الصومالية؟

أطلب من الحكومة الصومالية تشجيع الشباب ورفع هممهم والاستفادة من قدراتهم وإبداعاتهم، وخلق فرص عمل لهم، فالشباب هم العمود الفقري للمجتمع.

ما هي رسالتك للمرأة الصومالية:

المرأة الصومالية هي العمود الفقري للمجتمع، وهي التي قامت بكفالة العائلة بعد تقاعد الرجال إبّان تفجر الأزمات السياسية في البلاد، وكانت تبيع الشاي والخضار لقوت عوائلها، وأصبح جلّ اعتماد الأسرة عليها، رسالتي للمرأة: استمري في التعليم فالوطن بحاجة إليك، فأنت الأم والبنت والشقيقة، لا تحددي قدراتك في العمل المنزلي فقط، فعندك قدرات هائلة يحتاج المجتمع إليها.

ما هي رسالتك للإعلام؟

رسالتي للإعلام أن الإعلام مرآة كل مجتمع ووطن، لا تذيعوا إلا ما فيه الخير للمجتمع، ونشر الشرّ في المجتمع ليس من قيم الإعلام المحترف.

ما هي رسالتك للمجتمع الصومالي:

رسالتي للمجتمع أن يقووا الوحدة الوطنية، وينبذوا القبلية ويقوموا بتعمير الوطن وازدهاره.

ماذا تطمحين في المستقبل:

أطمح إلى أن أساعد الأسر المنكوبة، وأشجع على الفتيات، وأفتتح مدارس وجامعات بتكلفتي، ومراكز لإيواء الأيتام والمنبوذين وأطفال الشوارع، وأحب أن أقتدي بزوجة العاهل الأردني رانيا العبد الله التي تقوم بأعمال خيرية لمجتمعها.

Share This:

عن قراءات صومالية (التحرير)

قراءات صومالية (التحرير)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *