آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب الشهر » قراءة في كتاب: “مقالات في الحرية” للريسوني

قراءة في كتاب: “مقالات في الحرية” للريسوني

صاحب الكتاب:

هو الدكتور أحمد عبدالسلام الريسوني وقد ولد عام 1953م، وهو عضو مؤسس ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وكان سابقًا نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، كما يشغل كعضو المجلس التنفيذي للملتقى العالمي للعلماء المسلمين، برابطة العالم الإسلامي، اشتغل كأمين عام سابق لجمعية خريجي الدراسات الإسلامية العليا، ورئيس رابطة المستقبل الإسلامي بالمغرب (1994 ـ1996)، ورئيس لحركة التوحيد والإصلاح بالمغرب (1996 ـ2003) والمدير المسؤول لجريدة “التجديد” اليومية (2000 ـ2004).

محتوى الكتاب:

الكل يعشق الحـرية فالنباتات تنمو إذا تمددت ووجدت متسعا والحيوانات تسعد وتنشط بحريتها، وقد خلقنا الله أحرارا فقال في بدء الخلق (وعلم آدم الأسماء كلها)؛ ليعبر كل مايريد ويقول كل مايريد وليسمي الأشياء بأسماءها!.

ثم (علمه البيان) وذلك قبل الصلاة وجميع التكاليف ثم منِّ بأن جعل له (ولسانا وشفتين) وأكبر وظيفة للّـسان والشفتين هي التعبير والبيان، لذا فالحرية صفة فطرية خلقية في الإنسان ومعناه أنها تفوق درجة (الحقوق المكتسبة) وترتقي الى درجة (الحقوق الطبيعية) لهذا تكون الحرية صفة لازمة من صفات الإنسان وليس مجرد حق من حقوقه، والدفاع عن الحرية دفاع عن الإنسانية، وهذا ما يؤرق المستبدين والطغاة حيث يقومون بمصادرة الحريات وخرس الأفواه وغلق الصحف حتى يتمكنوا من فرض سطوتهم وإستبدادهم.

والحرية إما ان تكون بناءة تسهم في إرتقاء البشرية او العكس، حيث أن الذي يمارس الظلم والفساد يمارس نوعا من الحرية الغير البناءة اوغير المسؤولة المطلقة التي لامكان لها في الحياة الإجتماعية، وكما يقول العلامة علال الفاسي رحمه الله (إن الحرية لاتعني أن يفعل الإنسان مايشاء ويترك مايريد فذالك مايتفق مع طبيعة شهوته ولايتفق مع طبائع الوجود كما ركب عليه، ولكنها تعني أن يفعل الإنسان مايعتقد أنه مكلف به، ومافيه الخير لصالح البشر أجمعين، وإيمان الإنسان بأنه مكلف هو أول خطوة في حريته).

فكما أن الحرية تحرر الإنسان من ضغط الموانع الخارجية التعسفية لتدخل في مواجهة الأستبداد،“كذالك الحرية تحرر إرادة الإنسان من ميوله ورغابته ونزواته؛ لذالك حررت الشريعة من الإنسان الخوف والفاقة لأن فاقدهما يكون فاقدا لجزء كبير من حريته.

ودافعت الحقيقة الكونية العريقة في مواجهة الخصوصية الغربية المعولمة بالقوة والإكراه والتي أصبحت تقدس العبودية للشهوات بدون أي إعتبارات صحية ولاأخلاقية ولاإجتماعية، حتى ظهر بعض المغفلين الظانين أن الثورة الجنسية مقدمة للثورة الثقافية.

والمفهوم الكوني الحقيقي للحرية لم يحد قط عن الإيمان بالحرية المنضبطة والحرية المسؤولة والحرية العقلانية والحرية الإبداعية، وهذا ماعبره الإمام الشاطبي بقوله (إخراج المكلف عن داعية هواه) اي عدم الإستسلام لضغوط النفس وأهواءها بل التصرف وفق مقتضيات الشرع والعقل او القانون والمصلحة، لهذا فكل التكاليف الشرعية معاكسة لهوى النفس والشهوات النفسية والجسمية، كما أن الشريعة تحدث توازنا بين ضغط الشهوات وجاذبيتها بإعتبارها ضامنة ومحققة لضرورات الحياة، من جهة وكبحها والتحكم فيها حتى لاتفرط اوتطغى!.

وإننا اليوم أمام حريتين :

1:حرية حقيقية هادفة، كحرية التفكير وحرية تقرير المصير وحرية الأمر بالمعروف واقامته والنهي عن المنكر وحرية نفاذ العمل الجماعي، والقرار الجماعي، في السياسة والشُؤون العامة.

2: والحرية الزائفة الناسفة، وهي حرية الشهوات والنزوات والإفساد في الأرض، ولايخفى أن هذه ليست حرية وإنما هي عبودية ونسف للحرية.

لهذا؛ فإن الحرية في المفهوم الإسلامي إستشعار وتشبع بحرية النفس وحرية العقل وحرية الضمير وهي التي جعلت بلالا وصهيبا أحرارا في الوقت الذي كانت أجسامهم ماتزال تحت سيطرة السادة يعبثون بها ويعذبونها كيف ماشاءت أهوءهم.

وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم حافلة بمئآت الأمثلة الدالة على أنه كان يربي أصحابه بأن يكونوا أحرارا في تعبيرهم وفي كلامهم فمنها على سبيل المثال ماجاء عن سعد بن ابي وقاص أن عمرا رضي الله عنهما إستأذن على رسول الله صل الله عليه وسلم وعنده نسوة من القريش يكلمنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن فلما إستأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله يضحك!.

فقال عمر : أضحك الله سنك يارسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك إبتدرن الحجاب).

قال عمر: فأنت يارسول الله أحق أن يهبن. ثم قال عمر أي عدوات أنفسهن، أتهبنني ولاتهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم! قلن: نعم، أنت أغلط وأفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما شجع النبي صلى الله عليه وسلم البحث العلمي بل واثبت الأجر حتى للمجتهد المخطئ، حيث يعتبر الإجتهاد من أشد الأمور خطورة.

الخلاصة:

فهذه الحرية لابد أن تكون موجهة ويكون هدفها إبتغاء الحق والوقوف معه لاعلى التصلب والتغلب والتفنن في السفسطة وقلب الحقائق،كما يجب أن تكون مراعية للدين وحرمته لأن الإسلام الذي جاء لحماية الناس في أبدانهم وأرواحهم وأموالهم كذالك جاء لحماية دينهم وعقيدتهم وآخرتهم.

والإسلام فتح بابا واسعا للحرية والتعبير ولم يجعل أحدا من الناس فوق المراجعة والمعارضة فالله وحده هو الذي (لايسأل عما يفعل) (ولامعقب لحكمه)، فيجب أن تكون في حدود الحق والنفع والأدب ولايجوز إستقلالها للهدم والتغرير وإيذاء الناس.

Share This:

عن أحمد صديق محمد

أحمد صديق محمد
مفكر إسلامي مقيم بالسودان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *