الرئيسية » مقالات » هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!

هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!

لفت نظري في البيان الختامي لمؤتمر علماء الصومال الذي انتهى قبل يومين في العاصمة الصومالية بندا يوصي ببناء هيئة للامر بالمعروف والنهي عن المنكر. لم افهم الحاجة لبناء مثل هذه الهيئة. ما هي اختصاصاتها؟ وما عملها؟ وهل هناك حاجة ماسة لوجودها؟ هذه الأسئلة وغيرها تتبادر الى الذهن عند سماع إنساء هيئة كهذة الهيئة. فالامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ديني مخوّل لكل مسلم. فمن حق بل من واجب اي فرد مسلم ان يقوم بهذ الدور في المجتمع المسلم، ولكن السؤال كيف يقوم بها؟ هل نحن في حاجة الى بناء هيئة لها سلطات مثل سلطات الأمن تنتشر في الأماكن العامة وتقوم بمراقبة تصرفات المواطنين وتعتقلهم وتضعهم في السجن بل وتضربهم على قارعة الطريق بدعوى المحافظة على الأخلاق والقيم الاسلامية.

في رايي، لسنا في حاجة الى هيئة مثل هذه الهيئة في دولة مدنية حديثة تقوم على المؤسسات والقانون، وعلى الدولة حفظ كرامة وحقوق مواطنيها الدستورية، فلا يتصور في دولة مثل هذه الدولة ان تقوم هيئات موازية لمؤسسات الدولة وتقوم بادوار الأمن وتتبع حركات المواطنين وتضيق عليهم تحت اعذار دينية واهية. ينبغي الا تتجاوز سلطات مثل هذه الهيئة سلطة اخلاقية مدنية تتمثل بالموعظة الحسنة والدعوة الى المعروف والنهي هو المنكر. وتلك سلطة – كما ذكرناها – ليست خاصة لفئة من الناس تتجاوز دورها الوعظي والإرشادي الى دور سلطات الأمن من ضبط واعتقال وسجن وضرب وما الى ذاك مما هو خارج من اختصاص هيئة مدنية وداخل في اختصاص هيئات أمن الدولة التي مهمتها حفظ أمن المواطنين.

هيئات الدولة كلها تامر بالمعروف وتنهي عن المنكر. فمثلا، مجلس الشعب ( البرلمان) مهمته الاساسية مراقبة الحكومة ومحاسبتها وتتبع اعمال الحكومة لتقييم ادائها والاشارة الى مواضع الخلل فيها وعزل من تراه اخفق في تحقيق المهمة المنوطة به. وهذا كله ليس الا أمرا بمعروف ونهيا عن منكر. فكذلك سلطات الامن مهمتها خفظ الأمن والحيلولة دون اي شيي يضر بأمن الوطن ولهم حق التوقيف والضبط والاعتقال مراعين في ذلك كله القانون والدستور. وكل هذا يدخل في باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقس على دلك جميع موسسات الدولة الاخرى. فكل موسسة من موسسات الدولة من القضاء وهيئات المحاكم وغيرهم من هيئات الدولة الاخرى تقوم على واجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب اختصاصها، ومن ثم فلا داعي لإنشاء هيئة مدنية خاصة للعلماء تقوم بهدا الدور متجاوزة في ذلك دورها الارشادي والدعوي الى تقمص ادوار اخرى خارج اختصاصاتها.

ويبدو ان هذه الفكرة مستوحاة من هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ( المطاوعة) في السعودية. وهي هيئة أنشئت في الخمسينات من القرن الماضي في السعودية كجزء من ترتيبات تقاسم السلطات بين الاسرة الحاكمة والحركة الوهابية وكانت الاسرة الحاكمة تهدف منها الى تهدئة الوهابيين بإعطائهم سلطات وهمية لمراقبة الناس وتتبع تصرفاتهم وتضييق الخناق عليهم كشرطة دينية مهمتها مطاردة النساء لفرض الحجاب وفضّ أي اختلاط محتمل بين الجنسين ومنع الشباب من سماع الاغاني والموسيقى وغلق محل التجارات في أوقات الصلاة وما يشبه ذلك من اعمال تترفع الاسرة الحاكمة من التدخل فيها ولكنها أطلقت يد الوهابيين وخوّلتهم سلطات واسعة لوقف هذه التصرفات لحجة حفظ قيم الدين واخلاق المجتمع، وذاك ليس حبا لهم وانما من باب اشغالهم بامور تافهة عن امر الحكم والشورى واستغلالهم لاضفاء الشرعية على دولتهم.

وهذا ما كان لهم. فالأسرة السعودية ضربت عصفورين بحجر واحد. فهم استغلوا الوهابيين لاضفاء شرعية دينية على حكمهم بإعطائهم سلطات وهمية لمراقبة الناس، وفِي الوقت نفسه نجحوا في تشويه سمعتهم وسببت كره الناس لهم بوضعهم في هذا الوضع الذي أظهرهم كهيئة تجسس على خصوصيات الناس. والمطاوعة الان بعد ان استنفدت الدولة السعودية أغراضها منها تفكر في الغائها بتاتا او على الأقل إلغاء سلطاتها وجعلها هيئة دعوية لبس لها سلطة الا سلطة الإرشاد.

والخلاصة، لا نريد ان نبدأ من حيث بدأت هيية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية ثم ننتهي الى ما انتهت اليه بعد سنين عجاف من المطاردة والمراقبة. فلا يتصور انشاء هيية كهذه الهيئة في دولة مدنية حديثة دولة المواطنين والقانون والدستور، فالدستور يوضح حقوق المواطنين والقانون يُبين الإجراءات المتبعة لمحاكمة المخالفين، وما عدا ذلك من إنشاء هيئات اخرى تحت مراعاة الأخلاق الاسلامية فانه لا يعدو ان يكون نوعا من الاعتداء على حقوق المواطنين ولن يحمد عواقب ذلك. فكما أشرنا موسسات الدولة كلها هيئات للامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن اراد أمرا بمعروف او نهيا عن منكر فلينضم الى واحد منها، دفعا للشبهة وإبراء للذمة وذلك من باب وآتوا البيوت من ابوابها.

Share This:

عن عبدالواحد عبدالله شافعي

عبدالواحد عبدالله شافعي
كاتب وباحث صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *