آخر الأخبار
الرئيسية » مقالات » سلطان العلماء!

سلطان العلماء!

السلطان الأيوبي حاكم دمشق الملك الصالح اسماعيل تحالف مع الصليبيين ليساعدوه على حربه مع السلطان الأيوبي في مصر ابن أخيه الملك نجم الدين ايوب. تنازل للصليبيين عن صفد وبعض الحصون الاخرى مقابل هذا التأييد. وقف سلطان العلماء العز بن عبد السلام خطيبا في المسجد والسلطان حاضر وتحدث عن أهمية وحدة الامة ضد الاطماع الخارجية وشدد النكير على خطورة الاستعانة بالأعداء لحسم الخلافات الداخلية بين المسلمين وأنكر بشدة على منح تنازلات مهينة للاعداء وختم خطبته بهذا الدعاء ولم يدع للملك كما جرت العادة ( اللهم أبرم أمراً رشداً لهذه الأمة، يعزّ فيه أهل طاعتك، ويذلّ فيه أهل معصيتك ).

غضب الملك الأيوبي اسماعيل وعزل الشيخ عن الخطابة والإفتاء وحبسه في قلعة دمشق. تناقل الناس امر الخطبة وحبس الشيخ فخاف الملك من غضب الشعب فأطلقه من السجن. طلب الشيخ ان يرحل الى مصر فوافق اسماعيل على ذلك. ولما خرج سلطان العلماء من المدينة قاصدا مصر ندم الملك وفكر في إعادته الى دمشق وأرسل احد حاشيته فقال له تلطف له بالكلام وأقنعه بالعدول عن قراره. وصل رسول الملك الى الشيخ فقال له: ان الملك يريد ان يعفو عنك ويعيد إليك مناصبك كلها وليس بينك وبين ذاك الا ان تعتذر فقط وتقبل يده، فقال له الشيخ : يا مسكين! ما أرضاه يقبل يدي فضلاً عن أقبل يده، يا قوم أنتم في واد وأنا في واد والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاكم به!

هذه هي عزة العلماء واخلاق العلماء الذين يقدرون العلم حق قدره ولا يخشون من قول الحق امام سلاطين الجور. لا يهمهم فقد منصب او جاه دنيوي ولا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا. فما عندهم من جاه العلم وعزة الدين اهم واكبر من جاه السلطان وعزة الملوك جميعا ولكن بشرط ان يعرف العالم رسالته ويعرف قدره ويحمى هيبة العلم والدين حتى يعطيه الله هيبة وجلالا يقرع بها رؤوس حكام الجور.

ولا يتأتى ذلك الا اذا زهد العالم فيما ايدى الحكام من متاع الدنيا وحطامها وزخرفها. وتلك سنة العلماء الربانيين في التاريخ الاسلامي، فإذا احتاج العالم الى الحاكم ومدّ يده اليه وأخذ منه فلسا واحدا ذهبت هيبته من نفوسهم وسقط من عيونهم واصبح لعبة في أيديهم. يفتى لهم ما يشاءون حسب طلب الأمراء ويصبح المعروف عندهم ما عرفه الحاكم والمنكر ما أنكره الملك فيجلسون اذا طلب منهم الجلوس ويقفون اذا امرهم بالوقوف ويرقصون اذا رغب في الرقص ويغنون له اذا شاء الغناء ويعتذر اذا طلب منه الاعتذار ويقبل يد الملك دون إذن.

ينبغي ان يكون العلماء قدوة صالحة للأمة ويجسدوا المثل العليا للإسلام. ومواقف سلطان العلماء وغيره من العلماء الربانيين تجسيد وأصح في الفرق بين علماء ترتعد فرائصهم من ملوك وأمراء صغار ويعتذرون عن جرم لم يرتكبوه ويدَّعون على انفسهم وعلى الاسلام ذنوبا لم يقترفوها، وبين علماء وقفوا وقفة عز وشموخ امام الحكام فزجروهم ونهروهم امام الملا. واذا خرج عليهم العالم يتبادرون الى تقبيل يده ويعتذرون له اذا بدر منهم اليه بسوء ويرتجفون رعبا اذا خالف أمرا لهم.

وفِي التاريخ الاسلامي المديد كانت سلطة العلماء الاخلاقية أكثر تأثير من سلطة الملوك والامراء، وكان العلماء -وليس الملوك – اخر ملجأ تلتجيء اليه الامة في ايّام ضعفها وتكالب الأعداء عليها. وفي مواقع عين جالون وحطين وغيرهما من المعارك التاريخية التى خاضتها الامة مع اعدائها الصليبيين والتتار كان للعلماء الدور الابرز في توحيد الصفوف وتوعية الشعوب بالأخطار المحدقة بها وشدّ عزيمة الأمراء والملوك وتخذيرهم من مغبة التهاون والتخاذل.

وفِي غزوات الاستعمار الاخيرة في العالم الاسلامي أخذ العلماء راية التحرير وحملوا ألوية الجهاد في كل بقعة من بقاع العالم الاسلامي وكانوا شوكة في حلقة المستعمرين والعقبة الكاداء لأطماع الطامعين. واليوم لا يمكن تحرير فلسطين وبيت المقدس من عصابات الصهاينة وحلفاءهم الا عبر حركة تحرير اسلامية يقودها العلماء المسلمون. هذا ما يقوله لنا التاريخ وتؤكده شواهد الأحداث ووقائع الأيام. فلم يحدث في العالم الاسلامي قديما وحديثا تحرير ارض او دفع عدو الا تحت راية الاسلام، وما عدا ذلك ليس الا وهما من الاوهام.

تمر امتنا اليوم حالة أشبه بالايام التي عاشها الشيخ العز بن عبدالسلام. وما احوجنا الى علماء يقفون مواقفه ويتحلون بشجاعته الأدبية والأخلاقية. وكأن التاريخ يعيد نفسه، فهاهم الأمراء يتحالفون مع الأعداء ضد قضايا الامة ولكننا لا نرى علماء يقفون مواقف الشيخ الا من رحم ربي، وأكثرهم اما ساكت يخاف على نفسه ومصالحه واما بوق يزين للناس أباطيل الأمراء والملوك. ولكن كلما اشتدت الامور واستحكمت حلقاتها كان فرج الله قريبا.

Share This:

عن عبدالواحد عبدالله شافعي

عبدالواحد عبدالله شافعي
كاتب وباحث صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *