الرئيسية » مقالات » من ثمرات النظرة الخاطئة للمعرفة

من ثمرات النظرة الخاطئة للمعرفة

العلم نور يضي جنبات الحياة، والمعرفة قوة وسلطان، هذه العبارة سهلة النطق ولكنها عميقة الدلالة، ويتضح ذلك إذا طبقته في حياة الفرد الواحد، والأمة الواحدة فالعلم قوة لأن من عنده المعلومة ويحسن تطبيقها هو القوي في مضمار الحياة، وهو الذي يسمع رأيه، ومن يمتلك المعرفة يرى الأشياء على حقيقتها دون تمويه أو خداع فتصح قرارته في السلم والحرب..

نظرة المشتغلين والمتصدرين في الساحة التعليمية إلى العلم لها تأثير كبير على صياغة جيل واعي ومشارك في احداث نهضة علمية وسياسية واقتصادية.

ومن الأفكار الهدامة التي غزت ساحة العلم تسليع العلم باعتباره سلعة خدماتية تباع بمستويات مختلفة جودة أو رداءة، حسب الطلب ، وقدرة المشتري، ونتج عن ذلك سهولة انشاء الجامعات، والكليات والمعاهد دون النظر إلى المعايير المطلوبة والثمار المرجوة، ودون اعداد المدخلات البشرية والمالية المطلوبة، وتلك لعمري خدعة وخيانة للمتلقي الغلبان المخدوع بأنه طالب جامعي يتيه على أقرانه، وخيانة للمجتمع الذي ينتظر قدرات علمية مؤهلة تشارك في تسيير الحياة العملية، وخير شاهد أن مؤسساتنا الحكومية والخاصة قلما تجد من توظفه للمهام الصعبة المحتاجة إلى الخبرة والدقة، بل يستدعى الأجانب، وأغلبهم من دول مجاورة، والفارق هو الاعداد…

ومن ثمرات تلك النظرة استواء العالم والجاهل، والفاسد والمصلح، لأن الكل يدعي العلم ويتمنطق به، ويفتح الجامعة ويترأس الكلية، ومن ثمراته عدم تقدير العلماء الحقيقيين وتقدير بحوثهم وانتاجهم وتقديمهم، وتطبيق مشورتهم الغالية المبنية على الدقة والخبرة.

ومن ثمرات ذلك إهمال الاستشارة العلمية في هيئات الدولة، فلا القرارات تبنى على العلم والخبرة والاستشارة في ثوب أبحاث يقدمها المتخصصون.

ومن ثمرات ذلك ضياع الأجيال بتخريج أكوام هائلة من المتخرجين الذين يتحولون إلى أرقام وأصفار لا أثر لهم في الإصلاح والتغيير، وحل المشاكل التي تواجهنا، فالعلم ليس غاية وانما وسيلة لحل المشكلات، وجلب السعادة، وتقليل الفساد والمخاطر، فلا خير في علم لا ينجيك من المخاطر المهددة للإنسان في جميع أصعدة الحياة، وقديما قيل ” لا خير في علم لا تقطع به الوادي، ولا تعمر به النادي” .

ان القائد الذي يقيس نجاح التعليم بجودة المردود الشخصي ثم الوطني سيبقى متيقظا وحريصا على تحسين مدخلات العلم وعملياته لتحسين مخرجاته، ويحسب لذلك حسابا كبيرا، ولا يرتجل في قراراته، بل يستهدي بالبحوث والاستشارات في كل خطواته.

ان قوة البلد تعادل مجموع ملكات أفراده العلمية، ومن شأن العلم بمختلف ميادينه أن يسدد من قرارات الأفراد ، فالقرارات اذا صحت صلح التفاعل بين الأفراد، ثم ينتج من ذلك صلاح عام للأمة، والخلاصة الوجيزة هي أن أزمتنا هي أزمة علم ومعرفة.

ويحسن هنا أن استشهد كلمة مؤثرة للامام ابن الصلاح –رحمه الله حيث قال:- – : ” ..”إن فلاح الأمة في صلاح أعمالها، وصلاح أعمالها في صحة علومها، وصحة علومها في أن يكون رجالها أمناء فيما يروون أو يصفون، فمن تحدث في العلم بغير أمانة، فقد مس العلم بقرحة ووضع في سبيل فلاح الأمة حجر عثرة ” ثم قال رحمه الله: ” لا تخلو الطوائف المنتمية إلى العلوم من أشخاص لا يطلبون العلم ليتحلوا بأسنى فضيلة، أو لينفعوا الناس بما عرفوا من حكمة وأمثال هؤلاء لا تجد الأمانة في نفوسهم مستقراً، فلا يتحرجون أن يرووا ما لم يسمعوا، أو يصفوا ما لم يعلموا، وهذا ما كان يدعو جهابذة أهل العلم إلى نقد الرجال، وتمييز من يسرف في القول ممن يصوغه على قدر ما يعلم، حتى أصبح طلاب العلم على بصيرة من قيمة ما يقرؤونه، فلا تخفي عليهم منزلته، من القطع بصدقة أو كذبة أو رجحان أحدهما على الآخر، أو منزلته من القطع بصدقة أو كذبة أو رجحان أحدهما على الأخر أو احتمالها على سواء” ( رسائل ابن الصلاح ١٣/١).

Share This:

عن محمد عمر أحمد

محمد عمر أحمد
باحث وكاتب صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *