الرئيسية » مقالات » توبة عن الفن ام توبة عن الفسق؟!

توبة عن الفن ام توبة عن الفسق؟!

نسمع بين فينة واُخرى مطرب او مطربة تعتزل الفن وتعلن التوبة عنه والرجوع الى الله. ظاهرة الاعتزال من الفن ليست خاصة في بلد من البلاد وانما هي عامة في جميع بلدان العالم العربي والاسلامي. ويذكر هولاء التائبون سببا لهذا الاعتزال، وهذا السبب هو اعتقادهم تحريم الفن في الاسلام واعتباره من المعاصي التي تستوجب التوبة والاستغفار.

بادي ذي بدء، ينبغي علينا الاعتراف بان الفن وخاصة الغناء شابته شوائب أفسدت جماله وامتزج بمظاهر كدرت صفوه واختلط بميوعة وخلاعة اضرت بسمعته وسمعة من يعتلق به تأليفا وأداء واستماعا، ولكن ما ذنب الفن في انحراف أصحابه؟ فالفن ظاهرة انسانية صاحبت الوجود الإنساني منذ الازل ومنذ ان أحس مظاهر جمال الطبيعة حوله جمال السماء الزرقاء فوقه وزينة الكواكب فيها وبهاء القمر ونوره الفضي وسحر شروق الشمس وشفق غروبها والأرض الممتدة وما عليها من الجبال الأوتاد والأنهار الثجاج والبحار العجاج والرياض الزاهرة وما بثه الله عليها من خلائقه العجيبة من الدواب والنَّاس والأنعام في البر والبحر، ولما رأى الانسان هذا الجمال المبثوث في ارجاء الكون وشعر هذا الجمال وهزه وأخذ على لبه وقلبه اراد ان يصف شعوره بهذا الجمال الذي يراه، وقد يكون الوصف بكلام شعر او نثر او غناء وقد يكون بآلات موسيقية وفد يكون بتصوير او نحت او نقش على حجر وغير ذلك من صور إظهار الشعور بالجمال فكان الفن من ذلك كله.

وليس في العالم امة حية راقية الا ولها اهتمام بالفن الراقي، فشعور الانسان بالجمال شيي فطري خلقه الله في نفسه فطرة الله التي فطر الناس عليها، وليس الفن الهابط الا تبديلا لهذه الفطرة في خلق الله، فالفن رسالة انسانية ترقي الانسان وتشحذ هممه وتنمي ملكاته وشعوره في حب الوطن وتقوي انتماءه الى مجتمعه وتراثه وثقافته وتشدّ ولاءه الإنساني العام وتربيه على الفيم الانسانية الجميلة. وليس الفن الهابط الا شذوذا عن أصل هذا الفن الراقي. وليس الغناء اثارة الشهوات وعرض الأجسام وإبرازا الصدور وهزّ الأرداف كما يفهمه كثير من الناس.

اذا، هناك نوعان من الفن، فن راقي فطري له رسالة انسانة راقية، وفن خليع ماجن خارج عن الفطرة وليس له رسالة غير اثارة الغرائز، والحكم على الشي فرع عن تصوره، فإذا تصورنا الفن على الصورة الأولى الراقية فلا شائبة في جوازه للفنانين ولا حرج في سماعه والاستمتاع بمعانيه الجميلة، اما اذا تصورناه بمعناه الهابط فلا يخفى على احد انه يأخذ حكمه عن تصوره. وقد قال العماء قديما: الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، فكذلك الغناء كلام حسنه حسن وقبيحه قبيحه، ولا يعقل إلقاء الكلام جزافا وعلى عواهنه عند الحديث عن الفنون تحريما او اباحة، وانما الانصاف تفصيل القول وبسطه وتدقيقه حسب اختلاف الفنون ومراميها وأهدافها حتى يتبين الخطا من الصواب ويسلم الناس من اللبس والتلبيس في هذا الموضوع.

فليس كل الغناء سواء، ففيه الغث والسمين وفيه التبر والترب وفيه الرديء والجيد وفيه ما هو حشو من القول وسقط من المتاع وفيه ما هو فلسفة عميقة في الحياة. وان أردت ان تعرف ذلك فتأمل معي هذه القطعة من الاغنية التي ألفها الاديب الكبير حسن حاج عبدالله المشهور ب( حسن غني Ganeey( وبصوت المطرب الكبير حسن آدم سمتر وأيقونة ملكة الصوت حليمة خليف مغول تغمدها الله برحمته الواسعة.

‏Caashadu ilaahay
‏cirka taagay udubli
‏ciidana ka dhigay gogol
‏wabiyada cartamayiyo
‏cidhifyada bad kaga xidhay
‏iyo buuraahaa culus
‏cimrigeed aduunyadaa
‏waxa jiraa col iyo nabadee
‏caydhiyo nin xoola leh
‏iyo laba is caashaqay
‏caawana kamay tagin
‏caynkaynu ku ogeyn
‏adna calafka kuu qoran
‏cuuna seegi maayee
‏caashaqa ha baayicin
………
‏ma ogtahay curyaankaba
‏cago loo ma waayine
‏caynkaa wax loo yidhi
‏ku wa cararayee ladan
‏inay ku cibro qataan
‏caashaqa ha baayicin

فأنت اذا قارنت بين هذه الأبيات الرابعة وبين الكثير من الكلام المبتذل الذي يسميه الناس في أيامنا هذا فنا مما يمجه الذوق السليم ولا تستسيغه النفوس الفطرية – لرأيت عجبا ولرأيت الفرق بعيدا، وشتان ما بين السها والقمر وما بين الثرى والثريا. في هذه الأبيات ترى الفن ارقى ما يكون فيه، ولا شك في ان كل من هو على فطرة سليمة يطرب لهذه المعاني وتهزه هزا وتأسر قلبه وتاخذ على لبه، وليس ذلك كذلك الا لان الاديب اظهر براعة فائقة في تصويره المعاني الجميلة في الحب ممزوجة بفلسفة عميقة في الكون والحياة وربطه ذلك كله بحكمة الله في خلق الكون والانسان مما يجعل الانسان يقف امام أديب فيلسوف يغوص في اعماق النفس البشرية ويستخرج منها اللآلئ والدرر فينثرها نثرا.

فكذلك كان الأدباء العمالقة الكبار في العصور الزاهرة للفن الصومالي مثل عبدالقادر حرسي يميم ومحمود عبدالله سنغب ومحمد ابراهيم ورسمي هدراوي ومحمد علي كاري وعبد محمد أمين وعبد قيس وغيرهم كثير من الأدباء الكبار الذين بلغوا القمة في الذوق الأدبي الرفيع ولم ينزلوا بأدبهم الى سفاسف الامور وانما ارتفعوا به بمجتمعهم الى منازلهم العُلى والى مستواهم الأدبي الرفيع، فليس الاديب من ينزل الى المستوى الأدني لمحبيه من العامة وانما الاديب الحق من يرفع بمستوى محبيه من الجماهير ويرقي ذوقهم حتى يتذوقوا بالجمال ويدركوا معاني الادب الرفيع.

يؤلمني ان ارى أديبا كبيرا يعلن توبته عن الأغاني التي ألفها في الحب العاطفي. فبل شهر او شهرين كنت استمع الى إذاعة صوت أميركا الصومالية وكان المذيع يجري حوارا مع احد الأدباء الصوماليين الكبار. وفِي اثناء ذلك الحوار قال هذا الاديب انه توقف الان وتاب عن تأليف الاغاني العاطفية. لم استغرب ان اسمع توبة المطربين والمطربات الصغار وإعلان توبتهم، فمعظم هولاء ليس لديهم ثقافة عالية يميزون بها بين الجمال وبين السخافة وبين الرقي وبين الهبوط وبين الالتزام وبين الخلاعة وانما كان امتهانهم للفن لأغراض دنيوية دنيئة ولا يبالون باي طرق يصلون بها الى هدفهم، كل ما يهمهم هو ارضاء العامة ورغباتهم السخيفة فجعلوا جسدهم عرضة للناس بدل مواهبهم الفنية فأصبحوا يثيرون الغرائز الجامحة بدل اثارة العواطف الانسانية. ولا غرو في ان ينتاب مثل هولا شعور بالذنب يقلق حياتهم ويمنعهم من الاستقرار النفسي والعاطفي لما يشعرون به في قرارة انفسهم من مغبة الخوض في الرذائل وتطاردهم الهواجس خوفا من عقاب الله لما فرطوا في حق الله فيعلنون التوبة والرجوع.

لم استغرب صدور ذلك من شباب وشابات تزينوا بأزياء الفن وتحلوا بحلاه وماهم من الفن في شيي ولكنني صدمت ان اسمع أديبا كبيرا يعرف معاني القول ويفهم اسرار البيان ان ينجرّ الى مثل هذه المصيدة ويقع في شباك نصبت لمدّعي الفن الذين لا يفهمون منه الا عرض الصور للظهور على الشاشات ولا يهمهم معنى جميلا ولا رسالة راقية.

ولا بد من الإشارة هنا الى ضغط المجتمع الذي تسود فيه اليوم ثقافة فقهية تحريمية تحرم الغناء وتراه لهوا يصد عن سبيل الله وترى الموسيقي أدوات الشيطان للصد عن ذكر الله، مع ان الفقهاء مختلفون في امر الغناء من ناحية الشرع، فمنهم من رأى الجواز ضمن مراعاة القيم الاسلامية العامة للمجتمع، ومنهم من تشدّد ورأي التحريم المطلق المجمل دون تفصيل. ففي كل عصر من العصور الاسلامية يغلب احد الرأيين تحريما او اباحة. فإذا كان المسلمون في حالة قوة ورقي ونهضة تتضاءل المذاهب الفقهية المتشددة في أمور الفن وتزدهر الفنون وترتقي وتلقى رواجا واهتماما من الخلفاء والامراء وسائر طبقات المجتمع، اما اذا كان المسلمون في حالة انحطاط وضعف قويت شوكة التيارات المتشددة واختفت الفنون وجميع مطاهر الفرح والسرور من المحتمع ويسود الوجوم وثقافة التحريم التي ترى ان الاصل في كل شيي التحريم لا الإباحة. ولا غرابة في هذا الجو المشحون ان نرى الفن يضمر ويهبط وان نرى الفنانين ينتابهم شعور بالقلق والضياع.

اخيراً، من حق اي احد ان يتوب عما يراه معصية اقترفها او جرما ارتكبه ولكن كان الخطا الذي وقع فيه هولاء الفنانون انهم أعلنوا توبتهم عن الفن من حيث كان الصواب ان يعلنوا توبتهم عن الفسق، فالعيب ليس في الفن كما ذكرنا آنفا وانما العيب في المطربين الذين استعملوا الفن كغطاء لسلوكهم المنحرف، فكان عليهم ان يعلنوا توبتهم عن الفسق الذي خاضوه في سبيل الوصول الى شهرتهم بدل ان يعلنوا التوبة عن الفن الذي هو بريء عن انحرافهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب. فلا حرج على الفن متى ما روعي اخلاقه وآدابه ورسالته الانسانية، ولا جناح على الفنانين اذا احترموا انفسهم وراعوا حرمة الفن واحترموا ذوق جمهورهم ومحبيهم. وقد سئل مرة الممثل المصري الكبير فاروق الفيشاوي متى يتوب عن الفن؟ فاجاب: اذا كانت التوبة تمنعني من الفن فلا أريدها.

Share This:

عن عبدالواحد عبدالله شافعي

عبدالواحد عبدالله شافعي
كاتب وباحث صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *