الرئيسية » مقالات » خاطرة عن سيد قطب رحمه الله

خاطرة عن سيد قطب رحمه الله

ترجع معرفتي – والحمد لله- بسيد قطب، وبتراثه عامة، وخاصة بـــ (في ظلال القرآن) إلى أواخر التسعينات، وبالتحديد إلى السنوات الثلاث 1997م، 1998م، 1999م، وذلك من خلال نوافذ ثلاث:

النافذة الأول: تكوّن القدرة التامة للاطلاع المستقل والقراءة الحرة ليّ في تلك السنوات، فكنت أقرأ كل كتاب صغير الحجم ومتوسط الحجم في مكتبة الوالد -حفظه الله- فكان من بين الكتب التي قرأتها (المستقبل لهذا الدين) من كتب سيد قطب، ومن الكتب التي قرأتها لغيره: (ما ذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) و (جاهلية القرن العشرين) وغيرها مما لست الآن بصدد سرده، فتعرفت عليه من خلال هذا الكتاب.

النافذة الثانية: بالاحتاكاك بين تيارات الصحوة الإسلامية، فكانت شخصية سيد قطب حاضرة في المحاضرات والمناظرات، فكان الناس فيه بين مقتدٍ به ومنذِر عنه، فكانت فرصة للتعرف عليه.

النافذة الأخيرة: شغف الوالد –حفظه الله- بالعلم والمعرفة والاطلاع والاستفادة والنقد، ولكونه خطيبا في مسجد الحي، فقد اتخذ كتاب (في ظلال القرآن) مرجعا له في خطبه في السنوات التي ذكرتها، فكان يكلفني بإعداد خطبة بموضوع معين من (في ظلال القرآن) أو يحدد لي آيات أقوم بنقل تفسيرها بتصرف من (في ظلال القرآن) وكنت أنوب عنه في الخطابة في تلك السنوات، قبل الرحلة في طلب العلم، فكنت أقلده في الرجوع إليه.

حتى تلك اللحظة كنت أرى سيد قطب –على الأقل- داعية من دعاة الإسلام، وشهيدا لكلمة الحق -في أقل تقدير-.
ما فتئت أكثر الاطلاع والقراءة حتى وقع على يدي كتاب (فكر سيد قطب في ميزان الشرع) وذلك أن مجموعة من أصدقائي وزملائي في الدراسة ذوي الانتماءات الحركية المختلفة كانوا دائما يتحاورون، وكانت أسماء الأعلام تملأ أكبر مساحة من النقاش، وكان سيد قطب من الرموز التي يطالها الاحتكاك، فأردت أن أحصر وجهات النظر المختلفة حول الرجل، وتم لي تقريبا ذلك.

عن طريق الاجترار علمت –وبعد الحصول على الماجستير 2007م- أن الأستاذ الذي درّسني مادة الفكر الإسلامي 2002م كان يقرأ علينا نصوصا من (في ظلال القرآن) خاصة أنه كان يملي علينا من أوراق بخط يده، والذي نبهني إلى هذا أنني كنت أقرأ في بعض كتب الثقافة والفكر فرأيت نصوص الأستاذ قد تم عزوها إلى سيد قطب، وسأشير إلى بعضها لاحقا.

لا زلت أرى أن سيد قطب لم يكن بدعا من الدعاة والمصلحين حيث كان يتصدى لنوع من المنكر مستفحل في زمانه، تماما كما نقرأ في سير الأعلام والعلماء المجددين، فإنهم يصلحون نقاط الفساد في البيئة التي ظهروا فيها، بالطريقة والوسيلة المشروعة والمتاحة لهم، فكان تشديد النكير، وتهويل الأمر هي الحالة السائدة فيهم، وللطبع في ذلك تأثير ونصيب، وأنا لا أستغرب في رجل عاصر الاحتلال وشاهد الخدلان، وعايش انبهار المسلمين بالغرب وبثقافته أن يغلظ النكير، ويبالغ في التنفير، لدرجة يظن سامعه ممن لم يستوعب الفحوى ولم يعرف المراد، أو من أتى بعده ممن اشترك معه في الطبع وخالطه اليأس والقنوط، وتبدد رجاؤه وأمله أن يحمل نصوصه على أبعد من مرماها، وينزل أحكامه على غير أهلها

اقرأ معي بعضا من نصوص مقدمة الظلال (دون تعليق أو شرح)، هل ترى من فطور؟!.

يقول سيد قطب رحمه الله:

وعشت – في ظلال القرآن – أنظر من علو إلى الجاهلية التي تموج في الأرض ، وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة . . أنظر إلى تعاجب أهل هذه الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال …… وأعجب .. ما بال هذا الناس ؟! ما بالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة ، ولا يسمعون النداء العلوي الجليل . النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه ؟.

ثم يقول رحمه الله:

إن الاحتكام إلى منهج الله في كتابه ليس نافلة ولا تطوعا ولا موضع اختيار ، إنما هو الإيمان . . أو . . فلا إيمان . . وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم . . ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون . إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ، والله ولي المتقين . .

والأمر إذن جد . . إنه أمر العقيدة من أساسها . . ثم هو أمر سعادة هذه البشرية أو شقائها . .

(ثم ضرب مثلا بعودة الإنسان إلى المهندس عند تعطل الآلات لاعتقاده بأن صانعها أعلم بها، فلما لا يتبع المنهج نفسه في التعامل مع نفسه فيعيدها إلى الله صانعها، ألا يعلم من خلق!!!).

ومن هنا جاءت الشقوة للبشرية الضالة، البشرية المسكينة الحائرة ، البشرية التي لن تجد الرشد ، ولن تجد الهدى ، ولن تجد الراحة ، ولن تجد السعادة ، إلا حين ترد الفطرة البشرية إلى صانعها الكبير ، كما ترد الجهاز الزهيد إلى صانعه الصغير!

ولقد كانت تنحية الإسلام عن قيادة البشرية حدثا هائلا في تاريخها ، ونكبة قاصمة في حياتها ، نكبة لم تعرف لها البشرية نظيرا في كل ما ألم بها من نكبات . .

لقد كان الإسلام قد تسلم القيادة بعد ما فسدت الأرض ، وأسنت الحياة ، وتعفنت القيادات ، وذاقت البشرية الويلات من القيادات المتعفنة ؛ و ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس . .

((تسلم الإسلام القيادة بهذا القرآن ، وبالتصور الجديد الذي جاء به القرآن، وبالشريعة المستمدة من هذا التصور . . فكان ذلك مولدا جديدا للإنسان أعظم في حقيقته من المولد الذي كانت به نشأته . لقد أنشأ هذا القرآن للبشرية تصورا جديدا عن الوجود والحياة والقيم والنظم ؛ كما حقق لها واقعا اجتماعيا فريدا ، كان يعز على خيالها تصوره مجرد تصور ، قبل أن ينشئه لها القرآن إنشاء . . نعم ! لقد كان هذا الواقع من النظافة والجمال ، والعظمة والارتفاع ، والبساطة واليسر ، والواقعية والإيجابية ، والتوازن والتناسق . . . بحيث لا يخطر للبشرية على بال ، لولا أن الله أراده لها ، وحققه في حياتها . . في ظلال القرآن ، ومنهج القرآن ، وشريعة القرآن)).

الفقرة الأخيرة التي في التنصيص من النصوص التي حفّظنا إياها أستاذنا آنف الذكر.

بعد هذه الجولة في المقدمة، يمكن تحديد نفسية الكاتب وأخذ تصور منه وتكوّن انطباع خاص عنه، لسنا بصدد الحديث عن الأفكار التي بني على نصوصه وتصوراته، ولكن الحقيقة أن : كل يدّعي وصلا بليلى (والمحك: هل تقر له ليلى بذلك؟!!!).

نسأل الله أن يهدينا سبل السلام ويرشدنا إلى دار السلام، وعلى نبينا الصلاة والسلام.

Share This:

عن د.أبوبكر محمد الخلفية

د.أبوبكر محمد الخلفية
محاضر في عدد من الجامعات،كاتب وباحث صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *