الرئيسية » مقالات » رحيل عملاق الأدب الصومالي

رحيل عملاق الأدب الصومالي

ترجل الفارس عن صهوة جواده ومضى. فجعت الامة الصومالية اليوم عامة والأدب الصومالي خاصة برحيل عملاق الادب الصومالي محمد عبدالله سنغب بعد حياة حافلة بالإبداع. لما وصلني خبر نعي ” سنغب ” تجمد الكلام في لساني وحبست نفسي وغمضت عبناي برهة أستعرض ما اذكره من مواقف الاديب واشعاره واغانيه الوطنية والعاطفية ورواياته المسرحية فلم أتمالك نفسي من الحزن وامتلأت مقلتاي بالدموع. لم يكن سنغب من الذين يرون الادب ملهاة وتسلية وانما كان يرى الادب رسالة انسانية سامية تسمو بالأديب ويسمو بها المحتمع، يرى الادب أمانة كبيرة على عاتقه ومسئولية وطنية حملها ثقيل فعمل كل ما في وسعه لحمل هذه الرسالة وأداء هذه الأمانة على اكمل وجه وأتم صورة.

واذا كان كل انسان يخدم وطنه فيما يحسن فان فقيدنا خدم وطنه من خلال أدبه حتى كأن حياته وأدبه جزء من حياة الدولة الوطنية في الصومال. كان وطنيا مخلصا لوطنه، وقوميا يعلي ولاءه القومي امام الولاءات القبلية والعشائرية وظهر ذلك كله في أدبه. لم يكن يرضى بولاء اقل من ولائه القومي وحمل هذا الهم حتى بعد سقوط الدولة وسقوط بعض من ادعياء الادب في مهاوي الفتنة الأهلية ودعاوى النعرات القبلية. ترفع من كل هذا ووقف شامخا كالطود يشد الرحال الى اي تجمع صومالي للمصالحة يدعو الى الوحدة الوطنية ونبذ الفرقة والقبلية.

كان جوادا كريم النفس لم يبخل بزملايه على فضل علمه وأدبه. وفد سمعت بأذني بعضا من الفنانين الكبار يعترفون له بالفضل فيما نالوه من الشهرة حيث أخذ بايديهم وروض لهم الصعاب وأراهم الطريق وصوب خطاهم وشجعهم على الاستمرار حتى حازوا فصب السيق ونالوا القدح المعلى.

فكما كان مخلصا لوطنه فكذلك كان محبا مخلصا لامته وتاريخها ولغتها وآدابها وتقاليدها وتراثها فيدعو في كل مناسبة سانحة الى حفظ لغتها وتقاليدها وتراثها فلا يغار على شيي كما يغار على ما يراه عدوانا على تاريخ الامة ومساسا بهويتها الذاتية. فلما حطّ رحاله في الغرب وخاصة كندا في أوائل الألفية الثانية وتفقد احوال الصوماليين في المهجر هاله ما رَآه من اهتزاز الشخصية الصومالية والتفكك الاسري واطراح التقاليد والاعراف وضياع الهوية اللغوية والثقافية وغير ذلك من عوامل انقراض الامم، هاله ذلك كله فلم يصم آذانه كما فعل غيره من الناس لانه يرى نفسه حامل رسالة لا بد وان يؤديها واجبها ولو تقاعس المتقاعسون فشمر عن سواعده وبدأ حملة توعية يحذر أبناء قومه من مغبة الاستخفاف بتقاليد الامة وتراثها وأنذرهم من العواقب الوخيمة لضياع الهوية الدينية واللغوية والثقافية للأمة.

لم يكتف بذلك بل الف روايته ” قبيو Qabyo(التي لاقت رواجا كبيرا عند الصوماليين في المهجر وفِي الوطن على السواء، وقد سلط الاديب الضوء في هذه الرواية على أهمية حماية الشخصية الصومالية في الغربة من الذوبان في ثقافات المجتمع الذي هاجروا اليها. كان فقيدنا مدرسة ادبية خاصة متعدد المواهب يقرض السعر ويكتب الاغاني ويؤلف الروايات المسرحية ويقوم بادوار تمثيلية، وكانت له ايضا بعض الاغاني وانا سمعته يغني بنفسه بأغنية وطنية مع الفنانة زينب حاج على المشهور ب ” بحسن ” وبرع على وجه الخصوص في تأليف الروايات المسرحية التي بزّ فيها اقرانه ولا يسق له فيها غبار. وكانت رواياته تلقى اهتماما خاصا من الصوماليين في السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم يحلل فيها الواقع الاجتماعي والسياسي، وكثيرا ما كان يوجه اليه اتهامات بتضمين رواياته معانٍ خفية ظاهرها التسلية وباطنها معارضة للنظام السياسي العسكري الحاكم. وقد سمعته مرة وقد سئل عن هذا الامر فنفى نفيا قاطعا وعدّ ذلك من الشائعات قائلا لم أكن يوما معارضا فكيف أكون معارضا للنظام وانا اعتبر نفسي جزء من النظام السياسي القائم .

ومما ذكر في هذه المقابلة ان الرييس محمدسياد برى دعاه يوما للاستفسار عما وصله من اشتباه امر روايته ” الدنيا ملهاة ” ” Waa maadeys Adduunyada( قال فقلت له : سيدي الرييس، دعك عن هولاء الشبان الاغرار الذين اصابتهم لوثة المدنية وأفسدت عليهم طبائعهم الفطرية وسليقتهم اللغوية، دعك عن هولاء فأنت خبير مثلي متضلع في اللغةبارع في اسرارها ودقائقها وهذه روايتي أمامك فادرسها، فان رايت فيها ما يريبك وتشم منه رائحة المعارضة فانا اعترف لك بالمسيولية، قال فابتسم الرييس وقرا مقطع أغنية في الرواية فقال: يا محمود، أترى هولا يفهمون من مغزى كلامك شييا، فأنت قد سبقت عصرك على الأقل قرنين، فإما ان نجعل الناس يلحقونك في عصرك وهذا مستحيل، واما ان تتأخر انت الى عصرهم فيفهموك، قال فقلت: انا أتأخر الى عصرهم.

فقد كان “سنغب” -رحمه الله- من بقايا جيل العمالقة في الادب الصومالي، موهوبا بالفطرة، له حاسة ادبية رفيعة وذوق ادبي سليم، فإذا تكلم تنثال الكلمات على لسانه وتكون لها أطوع من بنانه وتنقاد اليه المعاني والألفاظ انفيادا يتصرف فيهما كما يشاء وتنفجر ينابيع الحكمة من فيه، تظنه فيلسوفا عكف على مذاهب الفلاسفة وفنونها وقتلها بحثا مع انه لم يلتحق بدراسة تنظيمية قط ولكن الحكمة يؤتيها الله من يساء، واذا تحدث عن الانسان وطبائعه وخباياه وأسراره ومنشأه ومصيره خيل إليك انك امام عالم متخصص في فلسفة الدين عارف بعلوم الاجتماع والانسان يتعمق في بواطن النفس الانسانية ويدرس مظاهرها وخفاياها فيأتي بالعجائب.

رحمه الله واسكنه الفردوس الأعلى، فقد كان مكتبة ادبية ولغوية متنقلة، اثرى اللغة الصومالية وآدابها بما خلفه من تراث ضخم في فنون الادب المختلفة وان لم يكن معظمه مدونا ترينا لائقا . ونحن مدينون له في ذلك. رحل أديبنا اليوم عنا ولكن آدابه وآثاره ما زالت باقية معنا لم ترحل، فمن ابسط حقوق الاديب على وطنه وشعبه ومحبيه ان يهتموا بآثاره ويجمعوها ويدرسوها فيكون ذلك تخليدا لذكراه واعترافا له بالفضل ورد بعض الجميل اليه. ولو كان الاديب محمود عبدالله سنغب من بلد يعنون أهله بالعلم والاُدب لنال الجوائز السنية التي يستحقها ولعكف الناس على آدابه دراسة وقراءة وبحثا وتحليلا ونقدا ولكن شاء القدر ان يسبق أديبنا عصره ويحيا في مجتمع لا يميز بين الذهب والفضة ولا بين الشحم واللحم فيكون التفاصل بينهم بمقدار ما للناس من نسب ونشب ات بمقدار ما لديهم من فضل وعلم.

Share This:

عن عبدالواحد عبدالله شافعي

عبدالواحد عبدالله شافعي
كاتب وباحث صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *