آخر الأخبار
الرئيسية » مقالات » ترسيخ الشرعية أم مراقبة الشريعة؟

ترسيخ الشرعية أم مراقبة الشريعة؟

اهتم الإسلاميون بالدولة وانصب اهتمامهم على عدة نواحي، وفي مراحل زمنية متطورة، ويمكن الإشارة إلى ما يلي:-

١- مرحلة المطالبة باستعادة دولة الخلافة: في مراحل اليقظة الأولى تركز الاهتمام على استعادة الخلافة الإسلامية بوصفها النموذج الأفضل للحكم الاسلامي، والعنصر الأساس لقوة المسلمين وعزتهم ، وقد قامت حركات تنادي باستعادة الخلافة التي ارتبط بها مجد المسلمين التليد، ولكن محاولات استعادتها اصطدم بواقع النظام العالمي المتشكل انذاك، وصار حلما بعيد المنال .

٢- مرحلة المطالبة باصلاح القوانين بعد قبول الدولة القطرية:

بعد سقوط الخلافة، وقيام الدول القطرية في خريطة العالم الاسلامي، وتشكل النظام العالمي الجديد متمثلا في عصبة الأمم ١٩١٧م ثم بهيئة االأمم المتحدة ١٩٤٥م ، فقد خضع المسلمون لواقع الدول القطرية التي قامت على مبادئ الليبرالية الغربية أو على الاشتراكية، فهنا بدأ اهتمام العلماء منصبا على الإصلاح الدستوري، والقانوني والسعي لتطعيم المواد الاسلامية في جسد الدساتير الوضعية،واطلاق المطالبات، ففي هذه المرحلة سعى الإسلاميون الى إصلاح النظام السياسي القائم دون المساس بهياكله العصرية، وضمان تمثيل أفضل للشريعة الاسلامية، وقد صاحب هذه المرحلة تنامي الوعي الشعبي ، وتزايد المطالبات الشعبية بأسلمة القوانين بعد فشل الأيدلوجيات الغربية، واخفاق مشروع القومية العربية.

وبما أن فهم الدولة كمؤسسة ، وادراك العوامل المؤثرة في تشكيلها وتطويرها مسألة معقدة، فإن الدعاة لم يتنبهوا إلى أصل الداء، وانما اقتنعوا بالقيام بواجب الإشراف على هيمنة الشريعة لدستور الدولة، والحيلولة دون سن قوانين تتعارض مع محكمات الشريعة، بغض النظر عن توفر الشرعية للحكم، وبغض النظر عن مدى كونه فرديا مطلقا، ووجود المؤسسات الفاعلة من عدمها، ويحسن بي هنا كمثال الاستشهاد بأحد علمائنا في إحدى الولايات الصومالية أخبرني أنه كان ضمن لجنة من العلماء تم استشارتهم في وضع دستورها المحلي،

قال الشيخ: ان أعضاء البرلمان وحاكم الولاية قالوا لنا بشكل صريح ليس من حقكم إبداء الرأي في المسائل السياسية المحضة، وإن ظهرت خطأ في نظركم فهذا مفروغ منه ،فلنا أهداف من ورائها، قال: ولكن نقبل منكم أي اقتراح لحذف ما يخالف الشريعة.

وهذا المثال يتوافق مع عقلية مرحلة المطالبة باصلاح القوانين وفي نفس الوقت يفتح الباب لاحتمال وجود استغلال مريع من جانب السياسيين، الذين يدركون أهمية مباركة العلماء، ووجود قصور لدى العلماء في فهم السلطة السياسية، ومرتكزات بنائها.

ومن الملاحظ في الآونة الأخيرة تنامي تأييد العلماء بمختلف توجهاتهم لبناء الدولة على علاتها، بدافع مقاصدي نظرا لوظيفتها كقوة ضابطة مانعة من الفوضى، وحارسة لمصالح الأمة بعد عقود من الفوضى ، عاشت فيها البلاد بما يشبه مرحلة ما قبل الدولة، أي في حالة السلطة الطبيعية وهي مرحلة سيادة التنظيم العشائري الذي تقوده الرغبة وليس المشروعية، أو الأنظمة الوضعية بمؤسساتها.

٣- مرحلة المطالبة بشرعية أصل السلطة، وبناء دولة المؤسسات:

يبدو أن العالم الاسلامي بدأ ينتقل إلى مرحلة جديدة، بعد التجارب الفاشلة للدولة القطرية بجميع أشكالها: الجمهوري والملكي المطلق، والملكي المقيد الخ، ، وهذه المرحلة اتسمت بتوجيه الاهتمام بانشاء الدولة الحرة ذات المؤسسات الفاعلة ، وهذا الأمر يقتضي وعيا متقدما، وفهما عميقا بطبيعة السلطة السياسية، وتكوينها.

واعطاء الأهمية لمضمون الدولة وفحواها، وليس شكلها الخارجي وهياكلها العصرية بعد ان اصطلت الشعوب بنار الدول الوظيفية المكتسبة شرعيتها من الولاء لجهات أخرى، وليس من شعوبها.

وفي ظل الدول الوظيفية تكون الخسارة مضاعفة حتى لمن يسعى لتطبيق الشريعة حيث لا يصلح معها التطبيق الصحيح، لأن الشريعة إنما تطبقها سلطة تتمتع بالسيادة الكاملة، وحائزة على الشرعية، وتكون فيها مؤسسات ساهرة لتوجيه دفة الدولة بما يتوافق مع مصالح الأمة الكبرى.

أضف إلى ذلك نشوء دول كثيرة فاقدة المضمون تمارس الانتهاكات المستمرة ضد الحقوق والحريات الأساسية للانسان، ولا تسعى الى إقامة العدل، ورفع الظلم عن كاهل الفئات المستضعفة، ، وينخر في أوصالها الفساد والمحسوبية،لتمهد أرضية خصبة لنشوء الفوارق الاجتماعية، واختلال التوزيع، وعدم تكافؤ الفرص .

أيضا ازداد وعي الشعوب بطبيعة السلطة السياسية التي هي بمثابة الوحش المنطلق من عقاله، فهي قوة ضاربة، قادرة على القمع، وعلى العطاء بما تقدر من وسائل الجباية، فهي سلاح فتاك ذو حدين، مما يعني أنه في حالة إساءة استخدامها فإنها تكون مدمرة، وباعثة للنقمة، والتفاوت الطبقي، وتمهد لنشوء الأحقاد والثورات، والحركات المتطرفة، وهذا ما حدث في كثير من أقطار العالم الإسلامي.

∆ في مراحل سابقة وحتى الآن ما زال من يعتقد أن مجرد رفع الدولة لشعار تطبيق للشريعة الإسلامية كفيل بالرضا عنها، دون توجيه تساؤلات حول شرعيتها كسلطة، نظرا لأن قيام السلطة بحد ذاته ليس هو الخلاص، بل إقامة السلطة السياسية القادرة على تحقيق مصالح الأمة العليا، ولا تكون كذلك الا إذا حازت على قسط كبير من الاستقلالية، وكانت بعيدة عن طغيان الفرد الواحد أو الأسرة الواحدة، وتكون دولة شورى في نشأتها، وفي أدائها لوظائفها الأساسية.

وعليه، فإن مطالبات الشعوب العربية والإسلامية في المرحلة الأخيرة تمثلت في إقامة السلطة السياسية على أسس شرعية ليمكن بعدها الحد من طغيان الحاكم، وتوفير الحريات ، ومحاربة الفساد، وكل هذه مسائل ضرورية ضرورية.

Share This:

عن محمد عمر أحمد

محمد عمر أحمد
باحث وكاتب صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *