الرئيسية » مقالات » اتهمت نفسي!!

اتهمت نفسي!!

قد تسول لي نفسي أنني في محيط مغلق، تحفه نصوص شرعية تعيق إبداعاته العقلية، وإنتاجاته الفكرية كباحث يبغى أن يرسم طريق السعادة لأبناء وطنه وأمته الإسلامية، وقد تصور لي أحيانا بالتخلص من هذه النصوص تارة باتهام دلالتها، وتارة باتهام ثبوتها، وتارات بدعوى التناقض بينها وبين قوانين العقل، ومسلمات القضايا الفكرية، أو بدعوى تصادم النصوص الشرعية مع واقع الحياة، وما تقرر في بديهيات الحياة، عندها اتهمت نفسي!وقلت لها: ياترى ما معايير هذا التفكير الواقعي الرّاقي الذي يراقب ويحدد المجالات المسموحة للنصوص الشرعية والمجالات التي لا يسمح لها التطرق إليها؟ وما مواصفات هذا العقل الذي أحتكم إليه والذي أريد أن يساير مع النصوص لئلا يحدث تصادم بينه وبين النصوص الشرعية؟.

في الحقيقة لا شيء ولا ليس هناك أدنى تناقض بما جاء في الوحي وبما تقرر في العقل، مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى: “ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا” لكن المنتكس الذي انقلبت عليه الموازين يتهرب من أن يبوح بمصدر انتكاسته ويكيل للشريعة الغراء كذا من الأباطيل والتهم التي لا سنام لها ولا خطام.

اتهمت نفسي لما تقول لي: نحن في زمن العولمة الذي طغت فيه الماديات وتطورت حركة الانسان المعمارية في الحياة وإبداعاته الفكرية والفنية، بإحداث التكنلوجيات المتطورة،التي مكنت الإنسان التحلق في الفضاء الفسيح عبر الأقمار الصناعية التي تصور الذرات الصغيرة ناهيك عن المرئيات المحسوسة مما يبعث في النفس أن تحرر من بعض الهواجس والقيود التي تفرضها الشريعة في ضبط حركة الإنسان في التفاعل مع المستجدات بصورة إيجابية تقرّها الشريعة.

اتهمت نفسي! وقلت لها: أليس الذي علّم الإنسان ما لم يعلم وسخر له ما في السموات والأرض قادر أن يضبط القدرات البشرية، وأن يوجها للإستغلال بهذه الفتوحات الربانية على وجه يرضيه سبحانه دون الإساءة إلى شرعه، ودون أن يطير به الظنون النفسية كل مطار.

قد تقول لي نفسي: إن النصوص الشرعية رغم قداستها إلا أن التغير الذي يحدث في الحياة البشرية بزيادة وعي الانسان فيها وتطور معارفه وتواتر استكشافاته وتجدد النوازل التي تفرض الإنسان بالتأقلم معها تجعل النصوص الدينية تحتاج إلى غربلة وتصفيات لتساير مع الواقع وذلك بتصنيف النصوص الشرعية إلى نصوص مرحلية انتهت صلاحياتها بانتهاء أجيالها…وأخرى لا تتعارض مع ابتكارات العنصر البشري في أمر دنياه كالنصوص التي تتحدث عن حسن الجوار والتحلي بمكارم الأخلاق ،وكرامة الإنسان والجنوح إلى السلم العالمي مع غير المسلمين في حالة عدم اضرارهم بالمسلمين استشهادا بآيات من سورة الممتحنة.

عندها اتهمت نفسي وقلت لها: أليس الذي جعل القرآن خاتم الرسالات وجعل رسوله محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل هو من جعل رسالة الإسلام رسالة عالمية تلبي حاجات البشر وتصلح في كل حال وزمان ومكان ! بمرونتها واحتوائها بأحكام عامة تتفرع منها جزئيات كثيرة؛ للتيسير على الناس ورفع الحرج عنهم، قال الإمام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله مبينا معنى صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان هو :”أن تكون أحكامها كليات ومعاني مشتملة على حكم ومصالح، صالحة لأن تتفرع منها أحكام مختلفة الصور متحدة المقاصد” (مقاصد الشريعة الإسلامية) للإمام محمد الطاهر بن عاشور ص 327.

قد تقول لي نفسي كما يتشدق به البعض: إن الألفاظ الشرعية كالكافر والمنافق والمرتد ألفاظ استفزاية لمشاعر غير المسلمين الذين يدينون بأديان سماوية مثل الإسلام … عندها اتهمت نفسي وقلت لها: ما أبشع الازدواجية في تفكير الكفار وأفراخهم من المتعلمنين يوصمون المسلم المستقيم على نهج ربه سبحانه وتعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بأبشع أوصاف التنفير والتمييز الطائفي كالإرهابيين والمتطرفين والمتشددين والتكفيريين والرّادكاليين وغير ذلك من الأسماء التي لا تنتهي قائمتها ثم يريد المتعلمن المسكين أن يكيل بمكيالين وأن نجامل في ديننا وثوابتنا …

فالكفر هو الخط الفيصلي بين المسلم المستقيم وبين الكافر وفصّل بينهما ربنا في كتابه ليستبين سبيل المجرمين، ومن رام تمييع الألفاظ الشرعية وإهدار قيمتها الشرعية لتساير مع رغباته وما تمليه نفسه فذاك راكب في أمواج الهوى وواضع قدمه في مسالك الانزالاقات العقدية والانتكاسات الدينية، والردة الفكرية … نعم تتطلب الدعوة إلى الحكمة وإلى المدارات أحيانا مع المدعوين وانتقاء الاسهل فالأسهل في الكلمات والعبارات لإنقاذ هذا الملحد وهذا الكافر –مثلا- من براثن الكفر والإلحاد وليس معنى ذلك وأد الألفاظ الشرعية وإدراجها في سلة المهملات! بل الداعية يحتاج إلى وضع الأشياء في موضعها المناسب دون اكتراث إلى شبهات المنتكسين غير العلمية.

اتهمت نفسي لما تقول لي: أنت تعطل العقل الذي به الاستبصار بنور الهدي لكونه مناطا للتكاليف الشرعية، والذي به اكتسب الإنسان وصف الإنسانية وتميز به من سائر المخلوقات … هكذا تغريك نفسك في تمجيد العقل أكثر من اللازم لتكون في نهاية المطاف عابد عقله ومحتكمه في كل شيء حتى تعرض النصوص الشرعية على العقل فما صادقه العقل فمقبول وما تنكب عنه ولم يستسيغه فمردود سواء كان في نص كتاب الله المجيد أو في سنة رسوله المطهرة الصحيحة.

اتهمت نفسي لما تحرضني إلى اقتحام الأدلة الشرعية بمحض عقلي بدون هدى ولا كتاب منير.

اتهمت نفسي لما تسول لي الوقيعة على أهل الفضل من العلماء والدعاة وعباد الله الصالحين وتعرض أمامي كمًّا هائلا من التخرصات الكاذبة لتثير حفيظتي تجاههم، ولأكون سوطا مسلطا على رقاب الدعاة والعاملين للإسلام بالتثبيط وتهوين مشروعهم الديني تارة، وبتهويل هفواتهم وتتبع زلاتهم تارة أخرى…

اتهمت نفسي لما تزين لي النظرات السلبية تجاه الأشخاص بتنقيب قلوبهم، واتهام نواياهم، وأخذ الأحكام المسبقة من أي توجه إسلامي يصب في صالح أمتنا الإسلامية … أو تدعو نفسي إلى امتحان الناس في مواقفهم تجاه الجماعات الإسلامية أو الحكم عليهم بمحض استنتاجاتي الشخصية التي لا رصيد لها في واقعهم الحقيقي.

اتهمت نفسي لمَّا تدعوني إلى احتكار الحق واستئثار سبيل النجاة دون غيري وتخييب آمال الآخرين وتسويد مستقبلهم .

نفوسنا أمارة بالسوء إلا من رحم ربنا، ويزداد خطرها لما تستعين بموبقات أخرى كداعي الهوى والأنانية والطيش المتمثل في صغر السن وقلة العلم، فتحتاج بين فينية وأخرى أن تتهم نفسك وأن لا تطاوعها في رغباتها فهي أولى بالذم والاتهام من غيرها وفي هذا قال الأديب الواعظ أبو إسحاق الألبيري رحمه الله:

ونفسك ذم لا تذمم سواها * لعيب فهي أجدر من ذممتا

كيف! إذا كان المتهم شرع الله أليس أنفسنا وأفهامنا أولى بالاتهام وأجدر ….

وقال آخر:

وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السقيم

إذا لم نضع أنفسنا في موضها المحدد ولم نكبح جماحها تتسلط على عباد الله بل تتعدى إلى اتهام الشرع المطهر لتكون هلاكنا المحتم الذي لا ريب فيه ولا مين معه.

كم أنا بحاجة إلى الجلوس مع نفسي بالمحاسبة،وطرح تساؤلات كثيرة أمامها، وكبح جماحها، وضبط تصوراتها الخاطئة، وتوجيه أصابع الاتهام إليها قبل أي أحد..

فلم أتحدث مع نفسي بعد، ولم أنهها عن غيها ولم أسع في ترقي إصلاحها حتى تصل إلى مرتبة المطمئنة فمتى أتهم غيري وأعود إليهم بالمراقبة والمحاسبة !!!

Share This:

عن عبد الغني موغي دويا

عبد الغني موغي دويا
كاتب وباحث شرعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *