( 1)الجاهلون بالتاريخ محكومٌ عليهم بإعادته.
(الصّومال -مع الأسف- على خطى دويلات الأندلس)
في الأندلس..
إذا قرأت تاريخ سقوط الأندلس الذي لم يأت فجأة، بل لم بحدث في سنة أو بضع سنين، وإنّما عبر مئات السنين، تصل إلى نتيجة مفادها أنّ تلك الإمارات أو الدّول -الطّوائف- التي مثّلت المراحل الوسيطة والأخيرة من تاريخ الأندلس المجيد، لم يكن سقوطها المباشر الواحدة تلو الأخرى، من طليطلة 1085م إلى غرناطة 1492م، سقوطا عابرا، ولا استسلاما سهلا كما يتصوره البعض، وإنما وصل الأمر في مرحلته الأخيرة إلى صراع وجودي صفري كان شعاره نكون أو لا نكون. بالتّالي فلم يكن أصحاب تلك الدّويلات في آخر عهدهم لقمة سائغة للخصم كما تذكرها بعض الكتب، كما لم تنقصهم الشّجاعة والبسالة أمام العدو، بل حاربوا باستبسال نادر، وشجاعة منقطعة النّظير. أحيانا تعرضوا لحصار شديد استمرّ لسنة أو أكثر كما حصل لكل من إشبيلية 16 شهرا، وقرطبة 12 شهرا، وطليطلة 9 أشهر، ومع ذلك دافعوا عن مدنهم حتى فني الماء والمؤن من المدينة من طول أمد الحصار، أو القتال مما دفعهم للاستسلام أخيرا، وأحيانا قاتلوا حتى سقط الرّجال جميعا أو لم يتبق منهم إلا أفراد قليلون منهكون.
إذن، أين كانت مشكلتهم؟ وما الذي كان ينقصهم؟ في رأيي أنّ المشكلة كانت تكمن في ما سبق السقوط الأخير، أي السّقوط غير المباشر، وهو الذي سبق ومهّد الطّريق للسّقوط المباشر. ونعني الأسباب التي أدّت إلى الانهيار الأخير؛ من الفرقة والانقسام والتمزق فيما بينهم، ثم التّحالف مع العدو أحيانا، ضدّ الإمارة المجاورة والتي ربما يحكمها قريب هذا الحاكم أو صديقه. وهذا يعني أنّه كان ينقصهم مبدأ تقديم المصلحة العامّة على الخاصّة، هذا في المستوى الشّخصي، أمّا في المستوى السياسي العام فكانت تنقصهم الرؤية الصحيحة للمستقبل البعيد، كما كانت تغيب عن ذهنهم النّتائج المدمّرة التي من الممكن أن تترتب على انقسامهم وتفرقهم، سواء الخصومات الدّاخلية فيما بين تلك الإمارات التي كانت تنشأ لأتفه الأسباب، أو من تحالفاتهم أحيانا مع العدو سرا أو علنا، التي كانت تخالف العقل والمنطق؛ حيث كانوا يتفقون مع هذا العدو المختلف عنهم في كل شيء، بينما كان يتعذّر عليهم التّفاهم الدّاخلي فيما بينهم وهم متّفقون في كلّ شيء. فبماذا يذكرك هذا الوصف؟
من المؤسف جدا أن نقول بأنّ ذاكرة أمراء دويلات الأندلس التّاريخية لماضيهم القريب كانت ضعيفة جدا، وأنّ النّسيان كان يلفّها من جميع الجوانب إذ تناسوا بأنّ هذا الذي يتحالفون معه اليوم -ملوك الإسبان- هو نفسه الذي استولى في الأمس على الإمارة الفلانية أو المدينة المجاورة بعد أن خدعها بالكلام المعسول والعهود الزائفة، مما يعني أنّه في المستقبل القريب سيتكرر المشهد مع المتحالف الجديد في حال لم يغيروا من سلوكهم السياسي والاستراتيجي، وعليه فكانوا غير قادرين على قراءة التّاريخ جيدا، وأخذ العبر من الأحداث التي جرت من حولهم. ومن الغريب الذي يدل أيضا على ضحالة وعيهم السّياسي، وجشعهم السّلطوي أنّهم كانوا شهود عيان على النّتائج الباهرة التي تحققت لعدوهم من الوحدة، ومن خلال التّحالف الثّنائي بين إمارتي أراغون وقشتالة المسيحيتين، بينما هم ما زالت تضربهم الفرقة، وهو الأمر الذي لم يدفعهم لا إلى الاقتداء بعدوهم، ولا إلى تغيير سلوكهم لتفادي السّقوط الحتمي.
يتبع..














