الرئيسية » مقالات » الحكم في الصومال، مشروع فردي حتى إشعار آخر!

الحكم في الصومال، مشروع فردي حتى إشعار آخر!

يمر الصومال حاليا بموسم انتخابات برلمانية ورئاسية معا. ويختلف هذا الموسم عن سابقيه بأنه الأطول من بين المواسم الانتخابية في الصومال التي تحلّ- نظريا- بعد كل أربع سنوات. فقد كان من المفروض أن ينتهي هذا الموسم قبل تسعة أشهر على الأقل، لبداية عهد جديد مدته أربع سنوات أخرى.

لكن ذلك لم يحدث لأسباب موضوعية وغير موضوعية معا، تتداخل فيها الأسباب المحلية مع الخارجية، ولا يبدو في الأفق حاليا أن ينتهي هذا الموسم قبل نهاية العام الحالي، علي الرغم من الضغوط المحلية، والدولية والإقليمية أيضا.

فإلى أين تتجه الانتخابات الحالية، وإلى مسار محتمل تقود البلادَ خلال السنوات القادمة ؟ وأي لون تتخذه السلطة القادمة في الصومال لنستشرف من خلالها مستقبل المشهد السياسي والأمني والاقتصادي في الصومال، وشكل العلاقات مع بقية العالم في وقت تمر فيه منطقة القرن الإفريقي بتحولات سريعه قد تغير وجه المنطقة خلال السنوات القادمة.

أثيرت هذه الأسئلة ومثيلاتها مع عدد كبير من المهتمين بالشأن الصومال خلال جولتي الأخيرة في أربع عواصم إقليمية لصيقة بالشأن في الصومال واجتماعاتي مع المتابعين للتطورات في منطقة القرن الإفريقي بشكل عام ، والأوضاع في الصومال بشكل خاص.

ومع أن انتقال السلطة في الصومال كان سلسا – الى حد كبير- خلال العقدين الماضيين، الا أن هذا الانتقال الشكلي لم يؤد الي استقرار سياسي وأمني واقتصادي وإنشاء دولة مؤسسات ثابتة.

والسبب المباشر في نظري- الى جانب أسباب أخرى كثيرة- أن مشروع السلطة او الحكم في الصومال، هو مشروع فردي حتى الآن، اي أن النخب الحاكمة في جميع مستويات الحكم لم تأت الى السلطة وفقا للتقاليد المعروفة ، سواء عن طريق العمل الحزبي، او التنظيمات السياسية ، او حتى انقلابات عسكرية، وإنما جاءت نتيجة صدف وُلدت من رحم ترتيبات سياسية وقبلية أقيمت على عجل في معظم الأحيان.

ولذلك جاءت جميع النخب الحاكمة، بلا استثناء، دون توقُّع من قِبلها او من قِبل اي جهة أخرى، ولكنها وجدت نفسها فجأة في متن السلطة، وهي لا تعرف ماذا تفعل، وليس لها مرجعيات سابقة تستند إليها. وهذا ما يفسر تخبط سياسة الصومال الداخلية والخارجية خلال العقدين الماضيين، وحيرة الدول المهتمة بالصومال في التعامل مع النخب الحاكمة عندنا.

وأروي هنا حكاية طريفة حكاها لي قبل سنوات أحد السياسيين المشهورين في الصومال، والذي تولي مناصب وزارية وبرلمانية رفيعة، وتربطني به صداقة قديمة. قال “إن من بين المشكلات العويصة في السلطة في الصومال، أن رئيس الدولة عندما يفوز بالانتخابات، لا يعرف من سيعينه في منصب رئيس الحكومة الا قبل يوم من تعيينه في المنصب. وأن رئيس الوزراء لا يعرف شخصيا الوزراء الذين يعينهم في المناصب الوزارية، مع أنه هو الذي يوزع الحقائب عليهم! وكذلك الحال مع الوزراء لا يتعرفون على بعضهم البعض الا بعد مرور نحو سنة على تعيينهم في المناصب، وفي ذلك الوقت قد تكون الحكومة قد سقطت وحلت محلها حكومة أخرى جديدة وبطاقم جديد كليا”.

وللتوضيح أكثر ؛ يتم انتخاب رئيس الدولة في الصومال من قبل برلمان يتكون من غرفتين مجموع أعضائهما 329 عضوا. وهؤلاء الأعضاء لديهم مؤهل واحد أساسي ومشترك، وهو أن كل واحد منهم يمثل قبيلة أو عشيرة او فخذا أو بطنا صوماليا بحكم انتمائه القبلي لها، وذلك هو المؤهل الوحيد المطلوب، وفقا لنظام المحاصصة القبلية المتبع في تقاسم السلطة في الصومال، وأي مؤهل آخر أمر ثانوي لزوم الوجاهة.

وحصل هؤلاء النواب على المقاعد البرلمانية بطرق شتي؛ بعضهم بالمال السياسي، وبعضهم بدعم من زعماء العشائر ، وبعضهم بالتنافس مع نظرائهم من القبيلة والعشيرة ، وبعضهم بحيل أخرى. والجامع المشترك في هذه الطرق هو أنه لا يمكن وصفها بانتخابات شفافة ونزيهة بأي حال من الأحوال. ومع ذلك يتم قبولها بعد نهاية الموسم الانتخابي على أمل إصلاحها في الموسم القادم، وهو ما لم يحصل في خمس مواسم انتخابية سابقة، ويبدو أنه لن يحصل في هذا الموسم الذي نحن فيه الآن.

ووفقا لهذه العملية التي ذكرناها ، وبعد تشكيل البرلمان وانتخاب رئاستيهما، وهي نفسها تأتي بناء على نفس الترتيبات القبلية العاجلة ، نصل الى ليلة العرس، التي يتم فيها انتخاب رئيس الدولة. في هذه الليلة يحبس الصوماليون ومعهم العالم المهتم بشأنهم- وهو عالم  يقل عدده فترة بعد أخرى، وتلك قصة أخري ليس هذا محل تفصيلها- أنفاسهم لمعرفة الرئيس القادم للصومال.

ويكون أمر هذا الرئيس وسياساته وتوجهاته محل تساول. الى أين سيأخذ الصومال ؟ وكيف سيتعامل مع الداخل والخارج والقضايا المهمة صوماليا وإقليميا؟ كيف سيتعامل مع أصحاب المصالح المتناقضة في الصومال، دولا ومنظمات وجهات أخري؟ الى غير ذلك من الأسئلة المفتوحة التي ليس لها إجابات مطمئنة.

لماذا كل هذه الأسئلة ؟ لأن السلطة في الصومال – على مستوياتها- مشروع فردي. إذ أن البرلمان تشكل من خليط من الأعضاء الذين ليس لهم انتماء معروف سوى أنهم من القبيلة الفلانية . لا ينتمون الى حزب سياسي ولا الى تنظيم من أي نوع ، ولا الي ايديولوجيا او توجه فكري معين. وليس معروفا حتى على أي أساس سيختارون بناء عليه رئيس البرلمان المفضل لديهم او رئيس الدولة او حتى رئيس اللجنة البرلمانية الفرعية التي هم سيكونون أعضاء فيها.

فالنائب البرلماني عندنا تنقطع صلته بقبيلته – التي يفترض أن يمثلها- بمجرد الحصول على بطاقة عضوية البرلمان ، وعلى قبيلته أن تتنظر أربع سنوات أخرى إذا كان يهمها أن ترسل غيره الي البرلمان، أو تبقي ابنها هذا في المقعد لفترة أخرى.

والآن، ومع انتهاء حفلة العرس ، وقد تم انتخاب رئيس الدولة من قبل نواب البرلمان ( المشاريع الفردية) تتحول مهمة إدارة شؤون البلاد اليه، وأولها تعيين منصب رئيس الوزراء. وهو منصب لا يقل سلطة  عن منصب رئيس الدولة، وفقا للدستور الانتقالي الحالي القائم على النظام البرلماني الرئاسي المختلط- وهو في نظري الأنسب للصومال في ظروفه الراهنة- رغم المآخذ الكثيرة عليه.

يأتي فخامة الرئيس الصومالي – وهو غالبا شخص جديد- وليس في جعبته برنامج سياسي محدد او معروف- عدا الكلام العام المكرر الذي يطرحه جميع المرشحين للمنصب- وليس لديه طاقم سياسي منظم سوي مجموعة من الأصدقاء القدامى أو الجدد، ومجموعات كبيرة من المنتفعين الذين يحاولون ملء الفراغ الحاصل حول الرئيس. وتبدأ معركة اختيار  رئيس الوزراء. وهذا التعيين هو الورقة الوحيدة التي بيد الرئيس ، فبعد التعيين يكون رئيس الوزراء مسؤلا أمام البرلمان، وليس أمام الرئيس إلا على سبيل المجاملة والتنسيق.

والجدير بالذكر هنا أن نظام المحاصصة القبلية يسهل على الرئيس الى حد ما- مهمة اختيار رئيس الوزراء . أي أن هناك ثلاث مجموعات قبلية رئيسة تتقاسم المناصب العليا في الدولة، وفقا للعرف السياسي المتبع . والآن وقد حصلت قبيلتان علي منصبيهما ( قبيلة الرئيس وقبيلة رئيس البرلمان) فإن منصب رئيس الوزراء ينحصر في قبيلة واحدة.

وبالطبع ليس لدى رئيس الوزراء هو الآخر برنامج محدد مثله مثل رئيس الدولة الذي لا يعرف كثيرا عن رئيس حكومته ، فهو يأتي المنصب من باب خلفيته القبلية أولا، ويأتي كل شيء آخر أمرا ثانويا . ويتعرف الرجلان الى بعضهما البعض لأول مرة، ويقضيان معا ثلاثين يوما هي المدة المحددة لتشكل الحكومة . وغالبا تكون للرئيس البصمة الكبيرة في اختيار أعضاء مجلس الوزراء، ويوافق عليها رئيس الوزراء من باب رد الجميل للرئيس، الذي عينه في المنصب ، وأحيانا من باب الإكراه ، لأن نفوذ الرئيس طاغ في أيامه الأولى في السلطة.

ويذهب السيد رئيس الوزراء وحكومته الى البرلمان لنيل الثقة، وطبعا يدعمه الرئيس في هذا الجهد. وغالبا ما يمرر البرلمان الحكومة بالإجماع او بالأغلبية المطلقة. كل ذلك يحدث ومعظم السادة أعضاء البرلمان، لا يعرفون شيئا كبيرا عن السيد رئيس الوزراء ناهيك عن أعضاء حكومته. ما يعرفونه فقط، هو أن الحكومة متوازنة وكل قبيلة حصلت على حصتها من المناصب الوزارية.

مرحبا بالعهد الجديد! لدينا الآن سلطة حكم مكتملة، جاء أعضاؤها بضربة حظ او شطارة، او الاثنين معا، وكلها عبارة عن مشاريع فردية سعى أصحابها الى الوصول الى السلطة. وبعد أن حصلوا عليها يبدؤون بالاستفادة منها لصالح. أنفسهم أولا، ثم لصالح أقربائهم أو أصدقائهم أو الذين دعموهم أثناء فترة السباق الي المنصب.. الخ. وبالطبع فإن المصالح العليا للبلاد سواء السياسية والاقتصادية والاجتماعية تضيع وسط هذا الزحام ولن يبقى منها الا القليل القليل.

وكما قال صديقي السياسي، فإن العام الأول هو عام التعارف بين النخب الحاكمة الجديدة، ولا يحدث فيه اي تقدم كبير في المشهد السياسي في الصومال ، فالجميع يذهب لتعزيز موقعه وتعيين محسوبيه في الوزارة او المؤسسة التي يديرها، وتبدأ الشللية والسعي الى نيل الحظوة عند الرئيس أو رئيس الوزراء أو رئيس البرلمان ( مراكز القوى الثلاث).  أما شؤون الدولة فهي تسير بقوة الأشياء ، فالصوماليون اعتادوا – مجبرين- على الاعتماد على أنفسهم وعلى القطاع الخاص الذي ترسخ في العقود الثلاثة الماضية، في غياب شبه تام للخدمات الحكومية في معظم مفاصل الحياة العامة ، فيما تقتصر سلطتها على خدمات محدودة وبطيئة وفي نفس الوقت تتقاضى أثمانا باهظة مقابل تلك الخدمات.

ومع أن كل فترة حكم في الصومال خلال السنوات الماضية كانت أحسن من سابقتها، نظرا للظروف المحلية والإقليمية في كل فترة، فإن السلطة في الصومال ظلت وستظل مشروعا فرديا بامتياز، وترجع بعض النجاحات المحرزة الى كارزمة الأشخاص الذين تولوا السلطة خلال العهود الخمسة السابقة، وليس إلي برامج واضحة معدة ومعلنة سلفا يتم السير عليها بعد الوصول الى السلطة.

وهذا الأمر، في نظري، أدي الى الفتور الظاهر من قبل الدول والمنظمات المهتمة تجاه الصومال، فالنخب الصومالية الحاكمة لا تتصرف وفقا لبرامج سياسية واقتصادية واجتماعية، لكي يبني عليها الآخرون نظرتهم للصومال بشكل عام. ولذلك يضطرون الي اتباع سياسة اليوم بيوم، والتعامل بحذر مع الدولة الصومالية. وإلا، فماذا يفعلون إزاء دولة تُحكم وفقا لمشاريع فردية تنتهي مع خروج صاحبها من السلطة، ليخلفه مشروع فردي آخر الى أجل غير معلوم.

الحكم في الصومال، مشروع فردي حتى إشعار آخر ! 

Share This:

عن علي حلني

علي حلني
كاتب صحفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *