خلال عام 2014م زرت لأول مرة فيها مصح للأمراض النفسية في أحد المدن الصومالية ، وكانت الزيارة كارثية شكلاً ومضموناً ، فالمبنى الذي كان ينزل فيها المرضى عبارة عن مبنى غير مطلي و الأبواب فيها حديدية ، والغرف متراصة بجوار بعضها البعض مطلة على ساحة واسعة جداً ملئيه بالحجارة و في زواياها البعيدة قطع من الخشب و بعض الأثاث القديم ، و هناك سلاسل موجودة في كل مكان ، وبعضها مربوط على أقدام المرضى ، لم يكن هناك أي نبات أو شجر يستظل بها المرضى أو يتمتعوا بالنظر إليها ، كان المكان شبيه بساحة إعدام .
لم يكن هناك إدارة أو عاملين من الصحة متواجدين في المكان لحظة قدومنا ، و بعد أن تواصلنا معهم أخبرونا بأنهم يتواجدون بالمصح بدوام جزئي و إن الذي يدير المكان و يقوم بالحراسة هو مريض سابق تماثل للشفاء “حسب تعبيرهم” . كان هذا الوضع المؤلم سبب في أن أبحث من ذلك التاريخ إلى الآن أكثر عن حال المصحات النفسية في المدن الصومالية الأخرى ، والإرهاصات الأولية لم تٌبشر بأوضاع أفضل من هذه المصحة التي زرتها بل ربما في بعض الحالات أسوأ بكثير . هنا أنتقل تسألي إلى دور وزارات الصحة الصومالية و تعاملها مع ملف الصحة النفسية ، وجدنا بأن دورها محصور في بعض المكاتب الصورية التي تفوح منها رائحة الفساد و الاحتفال باليوم الصحة النفسية العالمي و الذي يصادف العاشر من شهر أكتوبر من كل عام ، والذي فيها يلقي المسؤولين كثير من الوعود و التعهدات التي لم تُحسن من وضع المريض النفسي في الصومال .
وهذا الوضع الغير مبالي بالصحة النفسية في الصومال والغير المكترث بألم المرضى و أوجاعهم الغير مرئية مخيف جداً بل مدمر للمجتمع إلى أمد بعيد؛ لأننا نتحدث عن بلد خارج عن أزمات ويعيش في دوامة أزمات، والإنسان فيه يواجه في حياته الواحدة أوضاع تُجعله تحت الضغوط بشكل مستمر وغير منقطع ، ويعيش في ظرف لا يتمتع بالقدر الكافي من حقوقه المدنية والسياسية و الاجتماعية و الاقتصادية والثقافية ، و كل هذا الظروف و أكثر تصنع لنا وسط بشري الجاهز للالتقاط الأمراض النفسية ، لكن للأسف مازال الوعي المجتمعي الصومالي بدائياً ، متأخراً ينظر إلى الأمراض والاضطرابات النفسية بنظرة شك ونفسية العاجز المستسلم ، و هذا الاستسلام أخرج لنا مريض النفسي يتجول بالطرقات و الشوارع بمناظر مُحزنة يتعرض فيها لصنوف من التنمر و الأذى و الضياع ، أو آخر يُحبس في أماكن غير إنسانية وبصورة وحشية ، أو آخر يُدار به من علاج إلى علاج لا يؤدي به إلى الشفاء بل إلى تفاقم مشكلاته الصحية أكثر.
الصومال اليوم بأمس الحاجة إلى الاعتراف بمحورية الصحة النفسية في حياة المجتمع الصومالي ، وتعمل على دمج و تعزيز و رفع مستوى الخدمة المقدمة للمرضى ، و هذا أقل مبادرة يمكن أن تقدم لمرضانا حتى ننقذهم من الجنون والضياع.