الرئيسية » الفن والأدب » بين الحسناء الأولى والغانية الثانية في “لندن”‏

بين الحسناء الأولى والغانية الثانية في “لندن”‏

 اتخذ “لندن” مقرًا ومسكناً له، فيها باض وعشعش، ويتسكع في طرقاتها، ويأوي إلى ‏باراتها، ويصطاد من مخمراتها، ويبسط حبائله على الأجساد النعومة، ويرغم الذكور ببسط ‏أكفهم فوق حواجبهم؛ ليتأملوا الدمية الفاتنة، وليمعنوا النظر في الغانية الساحرة، ويبسط ‏عرش سلطانه على بحرها، وهناك يصدر أوامره إلى جنوده التي لا تخلو منها شبرة من الأرض، ‏بل لهم قوّة على سطو القلوب، ونفت الإيحاءات فيها، والنفاذ إليها من خلال مسام ‏جسدها، وتسلل إلى مراكز قوتها، وتدور مع الدم حيث دار، فمَن أحكم منهم قبضته على ‏هذه المراكز وتصرف فيها كيف شاء يحظى عند الوالد “إبليس” شارات الشرف، ويترقى على ‏درجات العلا، ويحتضنه إيذانا على خطورته ، ويقبّله تشجيعا له على الفتنة، ويرفع درجته ‏إلى صفوف الماهرين بالتضليل.‏

‏ وكان مسكن “الوالد” في العالم العلوي قبل أن ينتقل إلى “لندن” ويهبط عليها، ولم تضق ‏عليه الأرض بما رحبت حتى يختارها من دون الأرضين؛ ولكنه كان يمارس في العالم العلوي ‏مهنة حَذقها ، قطعها عهدا على نفسه أن يمارسها في الأرض باحترافية فائقة، ومهارة عالية، ‏ودقة متناهية، وتصفير الناجين من حباله، والفارين من كيده، وقسم أمام الله أن يكثر حزبه، ‏وينفخ أتباعه، ويجعلهم سادة العالم، وساسة الدنيا، وقادة المجتمعات، بالقوة والنار أحيانا، ‏وبالإغراء والشهوات والنزوات تارة أخرى، والاستمالة بالرئاسة والمناصب طورا، والتهديد ‏بالإسقاط والتهميش حينا. فمهنته في العالم العلوي أكسبته خبرة طويلة، وعلمته المداخل في ‏ابن آدم المؤثرة، وأفادته جوانب الضعف منه، وثُلم ثغراته، وشرخ حائطه، جربهم بداهية ‏فأصمت، ورماهم بسهامه فصادفت منهم مقتلا، لبس لهم ثوب الناصح الناسك فانخدعوا ‏له، وأقسم لهم بالله جهد أيمانه فصدقوا بمينه، فتورطوا بالمعرة بحسن نياتهم، وابتلعوا السم على ‏نية العلاج، واقترفوا الذنب بحجة المصلحة وطول الخلود، وانعكست النتيجة، ومُرَّت الثمار، ‏وعظمت البلوى، وعري الجسد، وبدت السوءات، كما عري جسد الحسناوات في “لندن” ‏وظهرت سوءاتهن ومفاتنهن في المسكن الجديد ، وبعد العري بحثت الحسناء الأولى بديلا ولم ‏تجد إلا أوراق الطبيعة فتجملت بها، والغانية في “لندن” وجدت جميع أنواع اللباس فَعَافتها، ‏واختَارت العُري عن الحشمة، والتبرج عن التستر. ‏
والغانية الأولى لم تجد بدًا من ورقة الأشجار فتزينت بها، والدمية الثانية اللندنية تعرَّت اختيارا، ‏وتنازلت عن ريشِها وزينتِها إمعانا في الفتنة. ‏
الجميلة الأولى كانت مضطرة خالية عن عيون الإنسي غير حليلها؛ إذ لم يكن هناك سواهما، ‏إذن لم يكن عليها ضير، بينما البهيَّة الثانية تفلسفت وترى أنها متحضرة بعريها، مدينَّة ‏بألوانها الزاهية، ومكياجها الفاتن، فجعلت نفسها دمية متعددة الألوان، تتبخر في مشيتها، ‏وتهتف الذكور من بعيد، وتغريهم من قريب، وتعثوا غوايتها يمنة ويسرة! ‏
صار جسدها بضاعة من أرخص البضائع، يجمل للرجال، وتتجرع آلاما لأجلهم، وتنفق ‏ملايين لإرضائهم، وتجعل جسمها لأجل الذكور مسرحا للعمليات التجميلية، والجراحات ‏المتتالية، أحيانا يُنحت أنفها حتى يدبب تدبيبا، وطورا يُحشى في ثديها السيلكون لتوسعته، ‏وتكبير قطره، وتتعاور الإبر الحادة على شفاهها لنفخها وتكبيرها، وتشفط دهون بطنها جريا ‏وراء الرشاقة والهيف، وتفعم الدهون في مؤخرتها لتكبيرها.‏
وتفعل الأنثى اللندنية ومثيلاتها ذلك كله لاصطياد الذكور، والتفنن بمغناطيسها ولفت أنظار ‏الرجال إليها!‏

Share This:

عن د.يوسف أحمد محمد

د.يوسف أحمد محمد
داعية إسلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *