الرئيسية » الفن والأدب » تعثر في ثنايا الأسفار، وتقحم في عرين الأفكار

تعثر في ثنايا الأسفار، وتقحم في عرين الأفكار

قد يعطي الرب شخصاً ما قدرة لاستخراج فائدة من بين براثن الشر، واستخلاص دواء من ‏بين سم مدفف، وانتخاب إبريز من الذهب الصافي من بين أتربة وعُفُونٍ.‏
‏ وقد يُقال إنَّ وجودَ مثل هذا الشخص ذي الإمكانية المتميزة ضرورة شرعية، وحاجة واقعية؛ ‏إذ الخير الصافي عز ونذر، والشَّوب طم وعم، واختلط الحبل بالنابل، وامتزج الخير بالشر، ‏ولتبس الحق بالباطل، ونفخ المبطلون بما في أيديهم من العلوم والمعارف سما زعافا، وباطلا ‏ماحقا، ودسيسة مُبيرة لا تقوى عامة الناس على ميرة الخير، وإدراك مرام الكلام، وما وراء ‏الاصطلاحات من معان ومرام؛ ولذلك يجب إبعاد هؤلاء عن الغوص في بحار الهلاك، ‏والورود على مناهل العطب. فمدرب الأسود واللاعب معها لا ينبغي أن يغري الدهماء ‏بمصارعة الليوث، وملاعبة الضراغم، والصيدلي الحاذق الذي ينتزع الأدوية من فكي الثعبان، ‏والحيات ذات السموم القاتلة لا ينبغي ألا يعرض خطر المزاولة السموم لعامة الناس، أو ‏إغرائهم بملامسة الجَنان والحيَّات؛ لأن ذلك يسبب لهم هلاكا وعطبا، وكم من أدوية تشفي ‏أقواما وتردي آخرين! ‏
‏ وكتب الملاحدة، ومقررات الشيوعيين، ومناهج الليبراليين، وتأليفات أهل الباطل لا ينبغي ‏أن تكون في متاول أيدي العوام، والصغار السذج، حتى لا تفتك قلوبَهم البريئة سهامُ ‏الملحدين، وحتى لا تتشرب صدورُهم الطاهرة جراثيمَ غَدرهم، فيخسروا في الدنيا والآخرة.‏

‏ وهؤلاء ـ أعني المبتدئين وأشباههم ـ في أمسِّ الحاجة مَن يَسقون عينَ العلوم الصافيةَ، ‏واليقينَ الثابتةَ، والإيمانَ الراسخ، حتى تتقوى عيدان معرفتهم، وتترسخ جذور إدراكهم بحيث ‏لا تحركهم الرياح العاتية بله قلعهم، فيثبتوا على الدرب، ويسعدوا في الدنيا والآخرة!‏
عندما كبرتُ أدركتُ خطورة إرضاع الصغار لِبأ الأفكار الفلسفية، وكتب الفكر الموضوعة ‏على سنن الفلسفة، والدفاتر المحشوَّة فيها بالآراء المرسلة، والإنشاءات التي لا خطام لها، ‏والاحتمالات التي لا مرجع لها، فهي لا تعدوا أنها آراء رجال وسوانح أفكار، ونتائج عقول، ‏وما انقدح عن زناد فكر من تخيلات غير معصومة، وراء غير موثوقة يقينا، وما ترتب على ‏ظروف غير مستقرة، ومقالة غير متخصصة، فإرضاع الصغار في زمن تكوينهم من ذاك ‏الثدي، وإيرادهم هذا المنهل، وإقحامهم في هذه الورطة له آثار وخيمة، وأمراض فتاكة، ‏وتنشئة غير سوية، وتصور غير سديد نحلب اليوم أشطره، ونعاني من تبعاته، بحيث اختلط ‏الحبل بالنابل، والصافي بالكدر، والحق بالباطل، والسم بالعسل، والصحيح بالفاسد، والزيف ‏بالأصيل، فنشأ جيل احتجزت هذه الآراءُ في عقولهم مساحةً واسعة، واحتلت في تفكيرهم ‏محل القداسة، واتخذ هؤلاء الكتاب وكتبهم مرجعا يثقون به بدون تمحيص؛ إذ التمحيص ‏ليس في مقدرتهم، ولا متناول أيديهم، وما تذوقوا ـ أصلا ـ علما رصينا، ولا قاعدة فاحصة، ‏ولا تربوا على نص مقدس، يحفظون آراء الرجال أكثر من حفظهم النصوص، ويعرفون أسماء ‏المفكرين أكثر مما يعرفون الفقهاء والمفسرين، ويزدادون بالمفكرين حبا، وعن الفقهاء بعدا؛ ‏ولذلك يتقحمون في هذا البحر العميق بلا روية، ويَلِجون فيه بلا خوف، فيهلكون في ‏تضاعيف كتب الفكر، فإذا وردوها لا يزيدون منها إلا عطشا، وإذا قرءوها لا يستخرجوا ‏منها إلا شكوكا وشبهات تعكر صفو فطرتهم، وتزلزل ثبوت أقدامهم، وتخرب فطرتهم ‏الأصيلة، وتقودهم إلى تخليط وتشويش، وتدوخهم تنميق ألفاظهم، ورنقة تعابيرهم، وسلاسة ‏أساليهم، فظنون أنَّ كل حاذق في الحبك والتأليف حاذق في جميع العلوم، فغاب عنهم؛ ‏لحداثتهم أن المفكر البارع في تسويق أفكاره لا يلزم أن يكون مجيدا للعلوم الشرعية، والأصول ‏العقدية!‏

‏ كان لنا مرشد صادق يوم أن كنا حدثاء السنِ والعلم ، ولكنه كان عديم الخبرة، ارتجالي ‏المعرفة، مبتور الأصل معرفة، فهو صَحفيٌّ، أنتجته الصحف إنتاجا، وأخرجته كتب الفكر ‏إخراجا حتى انتزع منها المعلومات انتزاعا، ودخل فيها وحده، وخرج منها مشوش البال، ‏ضاحل المعرفة، متضارب المواقف، يقدم رجلا ويؤخر أخرى، تائها في صحراء اصطلاحات ‏العلماء، ضالا في فلات مبادئ المعارف، فأوحى إلينا: أن غاصوا في غمار هذا البحر الهائج ‏على قلة خبرة، ومحدودية المعرفة، فتوكلنا على ربنا، وغمضنا عيوننا ولم نفتح حتى وصلنا إلى ‏ثبجها، وتوسطنا على أمواجها، وكنا كالجسد والروح، لا يمكن التفرقة بيننا، ولكننا عندما ‏خضنا في هذا المعترك، وتطفلنا على مطالعة هذه الكتب تفرقت بنا السبل، وتباينت وجهات ‏نظرنا في مسائل كثيرة حتى حصلت النفرة بيننا، ودب الخلاف في صدورنا، حتى تبرأ بعضنا ‏عن بعض، بعد احتدام نقاش دار بيننا حول مسائل لم نصل إلى كنهها، ولم نستطع فهم ‏وجهتها، ولم نتسلح بأدواتها ومقدماتها، اتفقنا على تكفير حاكم البلد بعد عرض حاله على ‏ما في كتاب المفكر، وتسطيره مسطرة فهمه وتحريره، بيد أننا اختلفنا شيعة الحاكم وأتباعه، ‏وجنوده وعساكره، وعمَّاله وتجاره، فمنا المكفر، ومنا المتلكئ، ومنا المتحفظ، ومنا المتورع، ‏حتى صرنا شيعا وطوائف يكفر بعضهم بعضا، ويعادي بعضهم بعضا؛ قربة لله، وتبرؤً عن ‏أعداء الله وأعداء رسوله؛ لأن من لم يكفر الكافر فهو كافر.‏
‏ وصاحبنا المرشد فاقد الحل؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والعريان لا يحمل عريانا آخر كما ‏يقول الصوماليون، فلا يملك إلا أن يشاهد جماعته وهي تتصدع بين يديه، وتتطاير كالزجاجة ‏المكسورة، تتعاورهم رياح الاختلاف، يسرى فيهم شؤم الطريق الذي اختاره لهم، وتلدغهم ‏أفعُوان الأفكار التي سلمها إياهم، وتسري في أجسادهم نفثات السموم القاتلة، والشبهات ‏الماحقة! ‏
‏ سمعت تلميذا صغيرا يسأل شيخه ما ينبغي أن يقرأ من الكتب! فقال له شيخه: اقرء كلما ‏يقع في يدك، اقرء كل كتاب تجده! ‏
بالحقيقة كأنه يقول لتلميذه: خض في كل بحر تجده، وغص في كل محيط تصادفك، أو ‏تعرَّض لكل سموم تواجهك، ويلزم من ذلك كارثةٌ عظيمة، وهلاك لا ينجو منه إلا بمعجزة ‏من الله تعالى.‏
فإن تَنجُ مِنها تَنجُ مِن ذِي عَظيمَةٍ * وَإِلاّ فَإِنّي لا إِخالُكَ ناجِيا

‏ أما إذا نضج الشخص علميا، واشتد عود معارفه، وتسلح بسلاح الكتاب والسنة، وأتقن ‏العلوم النقلية والعقلية فعليه أن يخوض في غمار جميع العلوم بغية توسعة دائرة معارفه، وطلب ‏الحِكَم من مظانها، والتنقل بين أزهار بساتينها؛ ليختطف من كل بستان ما فيها من ‏الأزهار، ويتقي ما فيها من الأشواك، فيدخل الأسد الظاهريَّ في عرينه؛ ليعجم ما عنده، ‏ويهجم على العقلاني؛ ليختبر منهج علمه، ويغير على الملحد في عقر داره؛ ليقيم عليه ‏الحجج، ويظهر عوره وضعف مذهبه، ويغزو على الليبرالي ليفضح نفاقه، ويقرء لصاحب ‏السنة؛ ليتزود منه علما، ولصاحب بدعة؛ ليجني الثمار ويرمي الأشواك؛ لأنه يعرف الرجال ‏بالحق، وعنده قسطاس مستقيم، وميزان واضح يقيس به المعارف، ونور مبين يضيء له ‏الدرب، فلا يترك حقا ممزوجا بباطل لضلال قائله، وإنما ينتزع الحق من ثنايا الباطل، كما ‏تنتزع الثمار من براثين الأشواك، وربما تكون حكمة سرقوها منا وتكون بضاعتنا ردت إلينا، ‏وقد تكون حكمة نشأت عن تراكم خبرة، فالحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها، فالحق هو ‏حق لذاته، لا يتأثر بقائله، والباطل باطل لذاته لا يتأثر بقائله، فإن ألف عبد صالح كتابا ‏فأودع فيه باطلا، فلا يتحول هذا الباطل إلى حق، لأجل صلاح مؤلفه، وإن ألف كافر أو ‏فاجر كتابا فضمن فيه حقا، فلا يتحول هذا الحق إلى باطل لأجل مؤلفه؛ لأن الحق قد يقوله ‏شيطان، كقوله (ص): ” قد صدق وهو كذوب”.‏

Share This:

عن د.يوسف أحمد محمد

د.يوسف أحمد محمد
داعية إسلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *