ذكريات الصبا

المزيد للقراءة

سقى الله أياما كنا نذهب فيها للبادية ، فتهظل الأمطار وتهب الرياح ويسود النسيم في كل مكان ، فنركض نحو الخيمة الصومالية ، ونجلس وسط الخيمة نشاهد حبات ماء المطر وهي تسقط على الأرض أمام الخيمة ، ونسمع صوت الماء يجري في الوادي القريب منا ، والمواشي في صمت عجيب ، والأهالي يبحثون عن خشب جاف حتى يشعلوه ليكون دفئا لنا ، والبرق يخظف أبصارنا تارة ويرينا تارة أخرى السحاب في السماء ، والبرق يشبه فلاش الكاميرا ، ويخيفنا الرعد بصوته ، والليل بهدوءه ، والمطر بغزارته ، والرياح بهبوبها ، وعبثها بالخيمة بعد أن يتوقف المطر ، والنسيم يخبرنا بأن المطر قادم من جديد.

وسقى الله أياما كنا نستيقظ فنشاهد الرجال الكبار وهم يأتون من مضارب الإبل ، ويجلسون حول النيران ينتظرون الشاي الصومالي الذي هو في إبريق أسود مثل الفحم بسبب الدخان ، والشاي في البادية يضاف إليها الكثير من السكر وأكثر ما يشتريه أهل البادية السكر والشاي ، ثم تصنع اللحوح وهي تصنع هناك بالقلب لا باليد ، ثم يقف أحد ما أمام الزريبة ويسمح للمواشي بأن تنال حريتها من جديد ، فتسرح في الوادي ثم تصعد في الجبل ، ورويدا رويدا تختفي المواشي خلف الجبال ، ومن ثم نذهب لمضارب الإبل حيث يجتمع فيه الرجال صغارا وكبارا ، يحلب الكبار ويشاهد الصغار ، وعادة الناس هم أن يشرب الصغار أولا حليب النوق والإبل ، ثم يشربها الكبار ، وكلما أردنا أن نشرب من الوعاء الصومالي البديع لمست رغوة الحليب أنوفنا ، وكلما كان أنف الإنسان طويلا شرب أنفه قبل فمه من الحليب ، ويقولون لنا ” اشربو اشربو ” بكلمة لم أسمعها منذ دهر بعيد وهي ” Dhama caanaha ” ، فنشير بيدنا إشارة الأطفال حين يشبعون ويرتوون ولكن الكبار يؤمنون ” Ninba intuu cunuu ciidamiyaa” يريدون منا أن نشرب كثيرا فرأس مال الإنسان في البادية صحته وقوة جسمه وسلامة بدنه ، وبعدها يطلبون منا أن نحمل الحليب إلى الخيمة حيث النساء والأطفال الرضع والشيوخ الركع ، وفي عاداتنا يمنع بشراء الحليب في مضارب الإبل من شخص عابر للسبيل أو ضيف أو حتى شخص أتى في ساعة حلب الإبل.

وعملية الحلب ليست سهلة فقد يشارك فيها رجال كثر ، إثنان منهم يحلبون الناقة بشكل عجيب ويمسكون ثديانها بطريقة يتبادلون فيها الأدوار ، فيقع اللبن الأبيض على الوعاء ، ونسمع صوت الحليب وهو صوت لم أسمعه مند فترة ، وينادي أحدهم بإسم الناقة ثم ينادى بإسم مولودتها ، فتركض الصغيرة نحو الأم وترضع فيها وقتا يسيرا ثم تحلب بعدها ، وصغار الإبل في تلك الوقت يرون أمهاتهم فيصدرون صوتا يعرفه كل من زار البادية يوما ، وهو صوت فيه حنين للحرية والخروج من الزريبة ، وأن يجدو فرصة للرضاعة وأن يكونو بقرب أمهاتهم ، تلك المشاعر المختلطة يعبرون بها بصوت غريب مهما حاولت وصفه لن أستطيع والكلمات لا تغني أبدا عن وصف تلك اللحظات الجميلة

وفي وقت الضحى يصنع النساء لبنا حامضا أو رائبا للأطفال ، وأحيانا يذهب الأطفال لرعي الغنم ، وأحيانا أخرى يذهبون حيث الشباب رعاة الإبل فيتشاركون معهم في أكل خبز مصنوع تحت جمرات النار ، هذا الخبز يدفن تحت الرماد ويغطى بالرمال ، ثم حين يطهو بشكل جيد يأخد قطعات منه فتوضع في الزباد ، ثم نذهب للبراري نقظف الثمار المختلفة ، ونشرب بأيادنيا الصغيرة من ماء المطر ، ونشاهد تلك المخلوقات التي كنا نعتقد بأنها تسقط من السماء مع المطر ، ونسمع صوت الضفدع في الماء يغني والطيور تشاركه الغناء وهي في أغصان الأشجار ، والصبايا في الوادي يغسلن الملابس ويتبادلن الأحاديث ، وبعضهن ينشدن بصوت جميل بعض القصائد والأشعار ، وتمر قوافل الإبل أمامنا والرعاة في جوانبها ويمسك بزمام الناقة التي تقود القافلة رجل في الأربعينيات من عمره ، ونرى قطعان الأهالي تختلط ببعض ثم يركض الرعاة لتفريقها وهم ينظرون للوسم في جسدها.

وسقى الله أياما كانت السيارات لم تكن كثيرة ، فكانت في الليالي المظلمة في البادية يرى الناس صورة السيارة من بعيد ثم تقترب وتقترب حتى تصل لمضارب الأهالي ، وكان الضيوف يتم تكريمهم ، وإذا قدم ضيف أو عابر سبيل تذبح له شاة أو ضأن ، ويقدم له الشاي أولا ، والماء العذب ، وبعد قليل يصل اللحم كاملا ويصبح في متناول يديه ، يأكل معه الرجال فيأكل من بعض الأطراف قليلا ، ويترك الباقي لمن قامو بضيافته نساء وأطفالا ، ويجلس الأطفال مع الجدات يسمعن القصص ، ويتعلمن مواقع النجوم والكواكب ، وقصص النجوم وأخبار ما كان وحكايات وأساطير وقصص وبطولات ، ومن ثم يخلد الجميع في وقت مبكر للنوم بإسثناء الشباب ، يأخد الواحد منهم بندقيته ولا يذهب للصيد وإنما يذهب للحديث مع الفتيات ، يوقظها بهدوء وهي في بيت أهلها ثم يتحدث معها حديثا بريئا عفويا فيه عفة ، ثم يذهب كل منهما إلى مكان نومه فيعود الشاب فرحا سعيدا ثم يتفقد الإبل وهي في مضاربها والجمال وهي في أماكنها ثم يخلد هو أيضا للنوم فيكون آخر من نام ، ثم يوقظه رعاة الإبل الآخرون في الصباح بشكل عنيف فيروي لهم عن الغابة الموحشة التي مر بها البارحة وقد كانت الذئاب والسباع كثيرة أيامها ، ولم تكن الأرض صحراء قاحلة كما هو حالها الآن ، ذاك الشاب خاطر ولكن البدو لا يرون هذا مخاطرة ، يحمل الواحد منهم بندقيته على كتفه ، والمصباح بيده ، والتبغ بجيبه ، والشجاعة في قلبه ، ومعرفة الوقت والزمان والمكان في عقله ، والبساطة في روحه

Share

اقرأ هذا أيضًا