الرئيسية » مقالات » صفحات من حياة الداعية “بقل صوم ” (2)

صفحات من حياة الداعية “بقل صوم ” (2)

وشاء الله تعالى أن يبرز الشاب الداعية من بين صفوف المصلين الجمعة التَّالية؛ طمعا أن يحظى مثل ‏فرصة الجمعة السابقة، وكأنه يُخال ظلا يتحرك؛ لنحافة جسده، ودقة أعواده، فبادر لييمم وجهه نحو ‏المنبر فلما اعتلاه، اسْتَهَلَّ حديثه بخطبة الحاجة الثابتة عن نبينا محمد ﷺ، وفي خلال سرده إياها ‏تسابقت إليه الأيادي، وجاءت إليه الأكف من كل صوب وحدب، ومدت إليه الأيادي المناولةُ من ‏كل جهة، حتى جرَّوه من أعلى المنبر إلى صعيد المسجد، وفي خلال تنقلاته كانت الأيادي في شغل، ‏هذا يصفعه، وذاك يغمزه، وهذا يكزه، حتى إذا سقط على الأرض، وتكالب عليه الناس جُر من بين ‏الجموع المُكفَهرّة العابسةِ، وهو في حال خطرة؛ بحيث كاد أن يموت بحبس النفس، وكثرة الازدحام.‏
‏     تقبيل الأكف:‏
‎ ‎والغريب في الأمر أنَّ مريدي الطريقة بدأوا يتسابقون إلى تقبيل الأيادي الصافعة، والأكف الآثمة، ‏وذلك باعتقاد منهم بأن اليد النائلة إيذاء بدعيّ مباركة تستحق أن تتبرك، وخَصُّوا تبركا وتقبيلا زائدا ‏بكف “عبد الولي” اليَبَرطَوْرْكَعِي الذي يقال: إنه ضرب الداعية بقوة‎.‎
‏   زنزانة الشرطة:‏
ثم اقتيد الداعية “بُقُلْ صُوم” إلى مَخفر الشرطة، فأُودع في زنزانة؛ لذلك وقع عليه ضرر الضرب في ‏المسجد مع ضرر السجن بغير جريمة؛ لأنَّ أصحاب الطريقة كان لهم نفوذ قوي في الدولة، وخاصة في ‏الشرطة.‏
‏  عريف يحل المشكلة:‏
‏ تزامن هذا الحدث مع زيارة وصل إلى المدينة، الحاج محمد لِيبَانْ ـ رحمه الله تعالى ـ المعروف ب ” يحيا ‏وطني”، وهو جّدُّ “بُقُل صُوم” من جهة الأم. وبما أنَّ “الحاج محمداً” كان يتمتع باحترام الشعب ‏بجميع فصائله، ويَهابُ منه رجال الطريقة، استطاع أن يحلَّ المشكلة، ويجد لها مخرجا، ويطلقَ سراح ‏الداعية!‏
وفور خروجه من السجن قفل إلى العاصمة “مقديشو”؛ تنفيذا لبنود الاتفاق!‏
‏ غارات العدو تطلق سراحه:‏
بعد فترة من الزمن حاول الداعية أن يزور مدينة “طوسمريب” مرة أخرى؛ لغرض نشر الدعوة ووعظ ‏الناس كعادته؛ إلا أن عيون رجال الطريقة كانت معه، فأفشوا أمره إلى مخابرات الدولة التي كانت له ‏بالمرصاد، فما أن وطّأت قدماه على أرض المدينة، نازلا من حافلة إلا وأَسَرَته الشرطة حتى وضعوه في ‏سجن، وبينما هو في سجنه الانفرادي تَلَقَّت المدينةُ ضرباتٍ مُوجعة من غارة غاشمة من قبل العدو ‏الأثيوبي إبان حكم “منغستو”، وعلا لهيب الحريق في كل مكان، واختلط الحابل بالنابل، وهاج الناس ‏وماجوا، وزلزلوا زلزالا شديدا، حتى ذهلت عنه الشرطة، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ثَمَّ وجد ‏الداعية فرصة للخروج من السجن؛ لأنه لا حارس هناك، ولا رقيب ولا عتيد من الناس.‏
  شلل اليد الصافعة :‏
حدث خلافٌ رهيب بين رجال الطريقة القادرية والمتصوف “بشير خليف عمر شريعة” أخو المغنية ‏المشهورة “مَغُول خليف”، كان منشئ الخلاف ماديا محضا، إذ؛ أراد الأخير أن يسترجع منصب ‏والده، ويكونَ له نصيب بالزعامة الدينية، ولكنَّ رجال الطريقة لم يفسحوا له المجال، ووضعوا أمام ‏اشتهاره عوائق كثيرة، مما أغضبه، وهذه العلاقة المتوترة تطورت مع الزمن إلى سلوك وأفعال، وبينما ‏‏”بشير” جالس مع زملائه يتجاذب معهم أطراف الحديث، في مقهى مطل على شارع عام في وسط ‏المدينة، مكتظ بالزبائن، والساعة تشير إلى الواحدة ظهرا، حيث اشتد لهيب أشعتها، وتفجر العرق ‏من مسام الجسد، وفتحات الجلد، إذ أقبلت ثلّة من رجال الطريقة القادرية مقبلين مدبرين، والعرق ‏يتصبب منهم؛ لأنهم كانوا في شُغلِ تَجهِيزِ رحلةِ شَدِّ الرِّحال إلى قبر “الشيخ أُويس البراوي”. ‏
وفي هذه اللحظة صرخ بشير: ” ابعدُوا عنا عَرقَكم العَفنَ، فقد تأذينا به!” حتى حصل حوار ساخن، ‏ومشادة كلامية بين الجبهتين، وفي تلك اللحظة سَلَت “المعلم عبد الله” عرقا من وجهه ونثره على ‏‏”بشير” وأردف قائلا: “يُتَبرَّكُ عرقنا، وأنت تستنكف، وتأفف منه!‏
هنا قفز “بشير” وعلا على “المعلم” ثم صرعه على الأرض، حتى تجمع على “بشير” مريدو الطريقة من ‏كلِّ صَوبٍ وحدبٍ، يُعملون أياديَهم فيه، وفي آخر المطاف مسكوا حُزمة من شعر رأسه فاقتَلَعُوها ‏مِن جُذورها، ثم تدخلت الشرطة وفضت النزاع بين المجموعتين.‏
وفي إحدى الليالي ظفر “بشير” بصيده الثمين، إذ وجد كلاً من “المعلم عبد الله” والشيخ جامع أحمد ‏نور” وهما يتحدثان في زاوية مظلمة؛ فسل “بشير” سيفه من غمده فواراه بين أحشاء “المعلم”، وطعنه ‏عدة طعنات متلاحقة، من ضمنها ضربة قوية على اليد التي تعدَّت على “بُقُل صُوم”.‏
وهكذا شُلَّت اليد الآثمة التي صفعت الداعية، واليد التي دبرت إيذائه! ‏
لقد حدثني الأخ العزيز الشيخ “دُرَان طِيرِ”: أنه رأى نفس يدَ “المعلم عبد الله” ـ المذكورة آنفا ـ وقد ‏أصابتها طلقة من رصاصة، فازدادت شللا إلى شللها.‏
‏  طلبه العلم الشرعي:‏
‏  كان التحق بالمدرسة النظامية “شيخ صوفي” فترة من الزمن؛ لكنه أعرض عنها؛ لأنها لم تشبع نهمته ‏العلمية، وكان يرى أن محصولها العلمي ضئيل، مع ما يضيع فيها من نفائس الأوقات، إضافة إلى ما ‏كان فيها آنذاك من التبشير بالشيوعية، وما كان يمارس فيها من فسق وفجور واختلاط مشين الذي ‏لا تستطيع أن تصبر عليه نفس أبيَّة مثلُ “بُقُل صُوم”.‏
أغضب انسحابه من المدرسة أخواله، لكنَّه أصر على قراره، فوجه وجهته بمثافنة العلماء بتلهف، ‏وملاقاة الفقهاء بسغب، واشتهر الشاب الداعية “بُقُل صُوم” بجهاده بطلب العلم الشرعي، كان لا ‏يعرف الدعة والرَّاحة، وكان ليله سهراً بين صفحات كتب، ومطالعة دفاتر، وقراءة مراجع، ‏
وكان يتقلب بين قيام وسجود.‏
وكانت سحابة نهاره دعوة إلى الله تعالى، وطلبَ العلم الشرعي، حتى تحصَّل من العلم ما فاق به ‏أقرانه. ‏
ومن أشهر شيوخه الذين شاركتُ معه:‏
‏1ـ الشيخ “محمد معلم حسن” رحمه الله تعالى، العلامة المفسر الفقيه اللغوي المتكلم، مؤسس الصحوة ‏الإسلامية في الصومال، الذي واجه الشيوعية، وأحيا الدين في الصومال؛ لذلك أوذي في الله تعالى ‏وسجن في السجن سيئ السمعة” لَبَاتَنْ جِرَوْ” أكثر من عشر سنوات، وقد ذكرنا شيئا من حديثه في ‏الصفحات الماضية!‏
‏2ـ الشيخ “محمد نور قوي”، العلامة المحدث السلفي، دخل الصومال من ضمن بعثة أزهرية، ثم ‏استوطن البلد، والتزم ونفض التراب عن علمه، وكان يقول: “كنتُ كنزا مدفونا” فربى الفتية والفتيات، ‏وعلمهم سنة رسول الله ﷺ، وكان مسجده في حي “بِلَاج عَربْ” يعج بالمصلين والحاضرين، لا يوجد ‏فيه موطأ قدم؛ لكثرة الرواد، والحاضرين خاصة يوم الجمعة.‏
‏3ـ الشيخ “إبراهيم سُولي” الفقيهُ المحدِّث أوَّلُ من أحيا علم الحديث في العاصمة “مقديشو”.‏
‏  تأثره بمحدث الشام:‏
وكان ـ رحمه الله تعالى ـ يتتبع مؤلفات الشيخ “ناصر الدين الألباني” ـ رحمه الله تعالى ـ وكان يحب أن ‏يقتني بها، فإذا ذَكر حديثاً في محاضرةٍ أو درسٍ بيَّن ما حكم عليه الشيخ “ناصر” من صحة أو ‏ضعف، ودرّس بعض كتبه، كما سجل كتاب “صفة صلاة النبي ﷺ ” على أشرطة كاسيت ‏السمعية.‏
بل؛ لقد ذهب إلى بعض المسائل التي رجحها الشيخ “ناصر ” بخلاف مذهب الجمهور، كتحريم ‏الذهب المحلق على النساء، وكان يشدد، وبما أنَّ جلَّ دعوته كانت موجهة إلى النساء كان يمنعهن ‏بقوَّة أن يلبسن الذهب المحلق!‏

Share This:

عن د.يوسف أحمد محمد

د.يوسف أحمد محمد
داعية إسلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *