الرئيسية » التقارير و التحليلات » صفحات من حياة الداعية “بُقُلْ صُوم”‏

صفحات من حياة الداعية “بُقُلْ صُوم”‏

محمد أحمد روبلي (بقل صوم) عشتُ معه فترة من الزمن، ودرَّسني، ودرسنا معا، وشاركتُ ‏معه في بعض رحلاته الدعوية، وكان شخصية اصطنعها خالقها لحب الخير، ونشر الحق، ‏مكافحا في سبيل الله لتبليغ رسالة الله تعالى بكل إخلاص، قوالا بالمعروف بكل فناء، نهاء ‏عن المنكر بكل جرأة، وكان يحترق أسفا إذا أحسَّ معصية أو شططاً في الدين. ‏
سَبَقَ أَن كَتَبتُ عنه كُتَيباً سَمَّيْتُهُ” تُحفَةُ الأَخِلَّاء بِسِيرَةِ بُقُلْ صُوْمْ” طُبِعَ فِي مِصرَ عَاْم ‏‏2005م. وقَدَّمَ لَهُ فضيلَةُ الشيخِ/ محمدِ بن الرَشَّادِ ـ رحمه الله تعالى، فَاختارُ منه بعض ‏الفُصولِ وأزيدُ عليها بَيَاناً لبَعض ما جاء فيها؛ لأني وجدتُ بعض الكُتَّابِ الذين لَا يخافون ‏اللهَ فِي كتاباتهم أنهم يُزَوِّرُونَ الحَقَائِقَ، ويخلقون إفكاً، وَيَطلبون للبُرآءِ العَنتَ، ويُلصقون كُلَّ ‏نَقِيصَةٍ بِالدُّعَاة الذِينَ شهد إخلَاصَهم كُلُّ دَانٍ وَقَاصٍ؛ ولذلك اِرتأَيتُ أَن أُسَجِّلَ مَا استطيعُ ‏تَسجيلهُ مع قلةِ وقتِي وَمُزجَاة بضَاعَتِي‎.‎
أَوَّلُ مَا تَلَاقَينَا:‏
‎ ‎
كان أولُ مَا لَقِيته أني وجَدتُّه مُتربّعا على صَحن مَسجِد‎ ‎الشيخ “عبد محمود” وَهو يُردد ‏ويكرر: لا إِله إِلا هو.. على النّغَمِ المَعرُوفِ عِندَ الطَّرِيقَةِ الأَحمدية، وكان يبدو أَنَّه مغرم ‏بِالطَّرِيقة الأحمديةِ، أو” الرَّحْمَانِيَةِ ” كما يسمونها، وكان يترنم‎ ‎بِأشعارها، ويغني بأذكارها.‏
وأمّا أَنَا فكنت يومئذ مترددا بين الأحمدية والقادرية، وكنت إلى الثانية أَمْيَلُ؛ لأسباب كثيرة، ‏ثم تفرقنَا.‏
أزمة بينه وبين الطريقة القادرية:
وبعد فترة التقينا مرة أخرى في مدينة “طوسمريب” وقد نفض كل منا يديه عن الخرافة، وعزف ‏عن الترهات، وعرف وجهته، ولكنه ازداد جرأة، وتحول إلى داعية لا ترهبه المواقف، وأسدا لا ‏تخوفه التهديدات، ولا يخاف في سبيل نشر الدعوة لومة لائم، وكان يحترق أسفا بما آلت إليه ‏الأمور، وكان يحزن لمستوى التدين في المنطقة، ولاستغلال الدين لطلب الدنيا، وما نشأ عن ‏ذلك من الأمراض من كتمان الحق، وتقديس الرجال، ولم يتحَّمل ما شاب الدين من ‏البدعيات، والشركيات، وما تغلغل في أوساط المجتمع من الخرافات التي كادت أن تقضي ‏على الدين، وتسلب عنه نَصاعته؛ ولذلك برز فجأة بين الجموع في مسجد الجامع القادري ‏المشهور “بمسجد رقي” في يوم مشهود في يوم الجمعة، بدون استئذان من إدارته؛ لأنه كان ‏على يقين أنه لو استأذن لما أذن له، بل للحقه ضرر؛ ولذلك اختار المغامرة، وعلا المنبر ‏مباشرة حينما سلم الإمام على من بشماله، فزلزل أرجاء المنبر بصوته الجهوري مع نحالة ‏جسمه، وهدر هديرا قويا بمسائل اختار إثارتها بعناية فائقة، وكان يعلم أنها تثير حفيظة أهل ‏الطريقة، وأنها تعتبر عندهم خطا أحمر، وحجرا محجورا؛ لأنها مصدر رزقها، وسبب هيبتها، ‏وإسقاطها يعني إسقاط الطريقة، وتناولها يعنى إعلان حرب مباشر عليها. فتحدث عن زيارة ‏المقابر وأحكامها، وحرمة شد الرحال إليها، وحرمة رحلة النساء إليها بدون محرم، وحرمة ‏اختلاطهن بالرجال الأجانب والسفر معهم، حتى ضج المسجد، وتذمر رجال الطريقة، وهاج ‏الناس وماجوا؛ لأن الرجل نسف الطريقة نسفا، وجاء بمسائل يعتبر عرضها على العامة، ‏ومناقشتها قاصمة الظهر، ورافعة قدسية أقوال رجال الطريقة وخُلفائها!‏
ويبدو أنه فاجأهم باعتلاء المنبر، وأخذ زمام الأمور، والتصرف غير متوقع؛ ولذلك لم يجدوا ‏فرصة للتشاور، ولا وقتا لاتخاذ قرارا مناسبا، ولم يعرفوا من يسندون إليه مهمة التصدي له، أو ‏اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مسجدهم، وفي غضون تفكيرهم في الأمر تسلل الأخ من ‏بين الجموع الغاضبة المكفهرة فخرج من بوّابة المسجد، وما ناله شيء من الأذى!‏
‏ حادثة الجمعة الأخرى
‏ سافرتُ برفقته إلى الريف؛ لأنه عزم على زيارة والده الذي كان يسكن في الريف، وكان لا ‏يفتأ بوعظ الناس، وإرشادهم بكل حماسة، وكان يستغل التجمعات حول الماء، أو المناسبات ‏كالأعراس، والولائم، وأشبع الناس بوعظه الصادق، وحرقته الشديدة، وصراحته الصريحة، ‏وخاطب عقولهم، وأستثار وجدانهم، وأشعل جذوتهم، وأفادتهم بعلم لم يسمعوه من علماء ‏المنطقة، وأجاب عن أسئلتهم، وأزاح عنهم كثيرا من الشبهات المنتشرة.‏
ومن مواعظه قوله: ” قال تعالى: ﴿ فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ, سَیَذَّكَّرُ مَن یَخۡشَىٰ ﴾ ‏سبحانه وتعالى رسوله ﷺ في كتابه المنزل أن يذكر الناس ويعظهم، وخاصة هؤلاء الذين ‏يستفيدون عن التذكير، وينفعهم الوعظ، أمره الله أن يدعوهم إلى المعروف وينهاهم عن ‏المنكر، ثم بين سبحانه في وحيه الذين ينفهم القول وتلين أفئدتهم بالوعظ، وتعمل جوارحهم ‏لدين الله، أنهم الذين يخشون ربهم، ويعلمون أن ورائهم عذاب شديد، وكل أحد يخشى الله، ‏وما أعده الله من العذاب في القبر وفي غيره، فإنه يستجيب لنداء الله بكل سهولة، ثم بين ‏سبحانه أن كل شخص عديم الخير الذي ليس له عقل ولا علم، وليس له سمع يسمع به ‏الحق، وليس له بصر يبصر به الحقيقة، فإنه يفر عن سماع الحق، وهو من أهل النار، يقول ‏سبحانه وتعالى: ﴿ وَیَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى﴾ أي يبتعد عن النصيحة إذا دعي إلى وحدانية الله ‏تعالى، ويموت كمدا إذا ذكر الله تعالى وحده، وإذا دعي إلى سنة رسول الله ﷺ يتذمر بها كل ‏شقي الذي وجبت له النار، ويقول هذا الشقي: مُنعتُ عن عاداتي وتقاليدي وشهواتي، ‏والشقي هو الذي ﴿ ٱلَّذِی یَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ﴾ ويكون حطبا من أحطابها، وأهل النار ـ ‏عياذا بالله تعالى ـ لا يموتون فيها ولا يحيون، وهذا يتناول كل من يستكبر عن آيات الله، ‏ويقابل سنة الرسول ﷺ بالرفض والإعراض كما يقول المثل الصومالي ” لو قرأت القرآن كله، ‏لا أقبله منك أقوى منه”

وهذه كلمة كفر تخرجك عن الملة؛ فإذا لم تقبل كتاب الله تعالى، ولم ‏ترض به، ولم تعمل به فماذا تقبل، هل تقبل بدله الأشعار والأمثال السائرة عند علية القوم، ‏وأعرافهم السائدة، وهذه قمة الضلالة، إذا كان حالك هكذا فاعلم أنك من الأشقياء، الذين ‏يتجنبون الحق. عندما تتبجح بأنَّ ترك العادات والتقاليد تجلب عقاب الرب؛ فلماذا لا تقول ‏بدل ذلك: إن ترك تحسين عبادة الله تعالى تجلب سخط الله تعالى ومقته، وهذا إن دل على ‏شيء إنما يدل على أنك فاقد الدين والقيم، إذن أنت من الذين يقول الله فيهم: ﴿ وَیَتَجَنَّبُهَا ‏ٱلۡأَشۡقَى﴾ أي يبتعد عن الوعظ، ويخالف طريق الرسول الشقي الذي وجب عليه عقاب ‏الرب، ويدخل المحل الذي قال الله فيه ﴿ثُمَّ لَا یَمُوتُ فِیهَا وَلَا یَحۡیَىٰ﴾ لا حياة في نار جهنم ولا ‏موت فيها؛ لأنه لو كان فيها موت لاستراح أهلها؛ بفقدان الآلام، وإذا كانت فيها حياة ‏كاملة لاستراحوا أيضا فيها، ولكن ليست عادة النار هكذا، وإذا كان الأمر هكذا فإذا ‏واجهتك ظروف صعبة في الدنيا فهناك من تستنجد منه من الأقارب والأصدقاء، ولكن ‏ليس ثَمَّ قرابة، ولا صديق حميم، وإنما الشيء الوحيد الذي ينفعك ويسعفك هو تقوى الله ‏تعالى، فاحرص بتقوى الله تعالى؛ بالتالي لا يفقد الله منك بشيء أمرك به، ولا يراك حيث ‏نهاك عنه…”‏
‎ ‎وفي آخر الأسبوع عدنا إلى مدينة “طوسمريب” وأصحاب الطريقة القادرية قد أعدوا له ‏عدته، وحبكوا له خيوط مكرهم، وعرفوا أنه سيعود إليهم؛ ولذلك تعاهدوا على اتخاذ ‏الإجراءات اللازمة ضده؛ كيلا يحل عليهم مثل ما حل عليهم في الجمعة الماضية.‏

Share This:

عن د.يوسف أحمد محمد

د.يوسف أحمد محمد
داعية إسلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *