قراءات نفسية لمفهوم النصر في الإسلام

المزيد للقراءة

  دائماً ما تكون الأحداث المظلمة والوقائع الظالمة، والشواهد الجائرة، والمآسي المتتالية، دوافع ملحة تؤجج توق الإنسان في أن يقف سريعاً على نتائج النهايات السعيدة، من فرح وسرور، وشفاء لما في الصدور، وكل معنى يترجم النصر والظفر والغلبة، لكن هذه النهايات السعيدة وأن اتفقنا على تسميتها (ثمرات النصر) فإن سردها يختلف من فكر إلى فكر، ومن إيدلوجية إلى أخرى، فالطرح الإسلامي لمفهوم النصر هو طرحاً يختلف تماما من الأطروحات الفكرية الأخرى التي ينطلق جزء منها من فكرة تحقيق الانتقام الذي يعوض مشاعر النقص ويوفر  متنفس  جديدا  للروح المنهزمة، أما في الطرح الإسلامي فأن مفهوم النصر ينطلق من خصائص الذاتية للدين الإسلامي؛ المتمثلة في  ربانية المصدر، وواقعية الرؤية وإيجابية الحلول وشمولية المعركة.

   وتتجلى ربانية المصدر لمفهوم النصر، كونه يعتمد على نص ديني، وعلى وعد رباني، لذلك ففي رحلة البلوغ إلى النصر، وما يتخللها من أحداث، فإذا تم قراءتها وفق بيان الوحي نجدها مبشرات لبلوغ مراتب النصر، وعند تذوقها من الميزان الإلهي نراها استطافا وتعليمً ومحبة، وليس عقابً ومشقة وضعفً.

      أما واقعية الرؤية لصناعة مفهوم النصر في الإسلام ، فهي في اعتمداها على سيكولوجية التأني والبناء العميق قبل القطف السريع، فمحصول النصر في الإسلام، تسبقها عملية بناء يستند على وعي يربط بين الوقائع والأساليب والوسائل بالقيم العليا والاهداف الكبرى، في إجراء يشبه عملية” إعادة التأهيل الرزين”، ويتضح هذا أكثر، عندما نتأمل حديث أبي عبد الله خباب بن الأرت رضي الله عنه الذي يقول: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الكعبة، فقلنا أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لنا، ألا تدعو الله لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يُؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض، فيُجعل فيها، ثمَّ يُؤتى بالمِنْشَارِ فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاطِ الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يَصُدُّهُ ذلك عن دينه، والله لَيُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غَنَمِه، ولكنكم تستعجلون، فمن هذا الحديث نرى بأن الإسلام يُشيد أولاً “استحقاقية الامة للنصر”، من خلال: طرح وتثبيت القيم الأصيلة وربط المسلم بها، ومن ثم تحرير النفوس من والتشتت والتبعيات المختلفة، وتأسيس صحوة شعورية تنفل الفرد المسلم من الشعور بالألم الفردي إلى الشعور بالألم الجماعي، ومن الأهداف الطارئة إلى الأهداف المصيرية، ومن الحيز الجغرافي الضيق إلى مفهوم الأمة الواسع.

      ويربط الإسلام واقعية الرؤية بإيجابية الحلول، وهذا الربط أنقذ مفهوم النصر الذي كان يقع تحت سطوة العقل البشري المحدود، الذي يرى في الحل الثوري الشامل والفوري حلاً للواقع البائس والعقيم. صحيح الحلول الثورية الفورية، تحقق بعض لحظات النصر السريع، لكن عقلية الاستعجال التي تقوم عليه الحلول الثورية لا تتماشى اولاً مع قابلية الانسان للتغيير، وثانياً: لا تضمن استمرارية وبقاء ثمرات النصر، وثالثاً: احتمالية الانحراف عن الأهداف العامة والوقوع في الثغرات، فإيجابية الحلول تعتمد على قيم عامة وشاملة ومتدرجة، وهي تؤمن بأن بعض النتائج المعنوية المكتسبة أكبر من بعض النتائج المادية المحسوسة، وإن المكتسبات المعنوية هي تمهيد للمكتسبات المادية.

     أما الشمولية المعركة التي تقف عليها سيكولوجية النصر في الإسلام، فإنها تتعدى مرحلة إطلاق الصرخات اليائسة إلى إحياء شامل لعملية “إعادة التقييم” للقيم والمفاهيم والأهداف، ومن أجل الوصول بالإنسان المسلم إلى مستوى من اليقين يرفُض فيها بكل جوانبه أن يكون على ما هو عليه، ومن بعدها تنطلق فكرة الايمان المطلق ببلوغ النصر، مما يُمهد استنفاد جميع طاقات الأمة، وليس فقط الطاقة العسكرية في سبيل الوصول لتحقيق هذا المفهوم للنصر.

   وخلاصة سيكولوجية مفهوم النصر في الإسلام، هو ربط المفهوم بالواقع وليس بالأحلام او الآلام، وهذا لا يكون إلا بتفجير منابع الوعي لدى الأمة الإسلامية بشتى جوانبه، وتسربل بالحرية التي تُعيد عزة المسلم بنفسه وبدينه وبقدراته وبتاريخه، فالوعي والحرية هما جوهران لأي عملية تهدف إلى قطف ثمار النصر في الطرح الإسلامي.

فاطمة محمد حوش
فاطمة محمد حوش
كاتبة ومتخصصة في التربية

Share

اقرأ هذا أيضًا