الرئيسية » كتاب الشهر » قراءة في كتاب مذكرات قاريء (٤).

قراءة في كتاب مذكرات قاريء (٤).

تناولنا في مقالاتنا السابقة عن الفصول الثلاثة الأولى من كتاب (مذكرات قاري) وسنعرض اليوم الفصل الرابع (عبقري يستعد) حيث عرض الكاتب في هذا الفصل لحياة عباقرة كبار، وتجاربهم في القراءة والكتابة، ومعايشة الكاتب مع هولاء النوابغ من خلال كتاباتهم، درسا لحياتهم، وقراءة لأفكارهم، وتقويما لنتاجهم، وتعليقا على بعض ارائهم. ومن هولاء العباقرة الذين تحدث عنهم الكاتب ماركس، وتوينبي، وسارتر، ونيتشه، وشوبنهور، وماو تسي، وتوفيق الحكيم، وجبرا ابراهيم. ويرى الكاتب ان دراسة حياة العباقرة مهمة للأجيال اللاحقة، وفيه دروس وعبر وتجارب ثرية حافزة على العمل، دافعة الى مواجهة التحديات والعقبات، أسوة في هولاء القامات الذين جدّوا واجتهدوا، حتى تركوا بصماتهم واضحة في التاريخ، وخلفوا وراءهم اثارا تدل على عظمتهم وكفاحهم.
وعنوان هذا الفصل (عبقري يستعد) إشارة الى عنوان فرعي داخل هذا الفصل يتحدث فيه الكاتب عن الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، والجهود المضنية التي بذلها في سبيل تكوين نفسه تكوينا شاملا معرفيا وجسديا ونفسيا للاستعداد للمهمة الكبيرة التي اعدّ نفسه للاضطلاع بها، وكان قاريا نهما لجميع فروع العلم المختلفة “كان يعبّ العلوم عبّا، ولا يرفع نظره عن الكتب الا بضع دقايق؛ ليشترى قطعتين من حلوى الأرز، وهما طعامه اليومي” ( مذكرات قاري، ٢٤٧). والعبقرية عمل شاق، وجهد جهيد في القراءة والاطلاع المستمر، والابتعاد عن الكسل المعرفي، ولن ترى نابغة او عبقري الا انه حرّم على نفسه الراحة، وسهر الليالي في سبيل تحصيل العلم. وكأن ماو تسي قد وضع نصب عينيه قول الطغرايي في لاميته الشهيرة:
قد رشَّحوك لأمرٍ لو فطِنتَ لهُ … فاربأْ بنفسكَ أن ترعى مع الهَمَلِ.
وعند ما كان الكاتب يتحدث عن ماركس وتجربته مع كتبه وتراثه الفكري، اشار الى قصية في غاية الاهمية، ألا وهي تاثير البيئة والمناخ الفكرى الذي يعيش فيه الانسان في تشكيل حياته الفكرية؛ إِذْ يذكر انه نشأ على كره ماركس والماركسية، بل انه لاحظ ان كثيرا من الناس في بيئته التي ولد بها وترعرع كانوا يخفون من المجتمع حولهم علاقتهم تلك بماركس وكتبه، خوفا من الأضرار التي قد تسببها له اجتماعياً وسياسيا في مناخ غير متسامح مع الاخر وافكاره المخالفة، ويقول الكاتب: “نشأت على كراهة ماركس اول ما سمعت عنه، فهو عدو الله وعدوّ رسوله، ثم اقتربت في سنوات الدراسة الاولى من قوم يعرفونه ولا يجرؤون على ذكره، ربما لان لهم هوى له ينتسب، فسبّب ذلك ميلا خفيا لمعرفته” (مذكرات قاري، ٣٢١).
ويلمح الكاتب هنا كما ترى الى ان المنع والحظر ولّد لدى الناس رغبة في معرفة ماركس وكتبه، وهكذا يكون دايما منعك شييا – ربما لم تكن توليه اهتماما يذكر في اول الامر – دافعا قويا لمعرفة ذلك الشيي الممنوع، والنفس مولعة بكشف خفايا كل مستور، وفضح اسرار كل محظور. ومن منا لم يمر بمثل هذه التجربة في بلده؟ واذا كان الدكتور محمد الاحمري نشأ على كراهة ماركس، وهو مفكر غربي من ثقافة وحضارة مخالفة، فمن العحب ان كثيرا منا ينشأ اليوم على كراهة عباقرة مسلمين كبار، مثل ابي حيان التوحيدي، والجاحظ، وابن سيناء، والفارابي، وابن رشد، وابن عربي وغيرهم من شموس الحضارة الاسلامية !
بل اعجب من ذلك من ينشأ منا على كره أئمة المسلمين العظام، وفقهائها الكبار مثل حجة الاسلام ابو حامد الغزالي، والفخر الرازي والزمخشري، وغيرهم من عباقرة هذه الامة. ولعمري، ان امة تغمط قدر عظمائها، وتبخس جهودهم، فلا يرجى ان يكون لها شان يذكر في مضمار العلم والمعرفة. وأورد الكاتب طرفة لها علاقة بحديثه عن ماركس، وهي ان الكاتب السوداني احمد سليمان ذكر في كتابه ( مشيناها خطى) ان السلطات السودانية سجنته لشوعيته، ولم يجد في السجن كتابا اخر يقروه الا القران الكريم، فقرأه واستمتع به مما كان سببا فيما بعد لأن يعود الى الاسلام ويترك ماركس والماركسية ! ورب ضارة نافعة.
ثم عرض الكاتب الى أهمية اللغة في الكتابة والتثقيف، وذكر ان الفيلسوف الألماني انجلز كان يعرف اثني عشرة لغة، وعند حديثه عن توفيق الحكيم نقل عنه قوله: انه كان يصحب معه كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه في سفره الى باريس، وكان شغفه به كبيرا، وقراه مرات عديدة. وهذا يدل على عناية الادباء الكبار بإثراء معجمهم اللغوي، وحرصهم على التمرن بالأساليب العربية الفصيحة الصحيحة، مع ان توفيق كان من أنصار التجديد في الادب، ولكن تجديده اصلاحي مبني على قواعد اللغة وأساليبها في الكتابة، وليس تجريفا لها، ودعوة الى نبذ الفصحى وحل العامية محلها، كما دعا الى ذلك أقوام من مدّعي التجديد والإصلاح، وما هم من التجديد في شيء، وكم من دعوة الى التجديد والإصلاح ليس وراءها الا الهدم والتخريب.
ونقل الكاتب ايضا عن الاديب المسرحي توفيق الحكيم في كتابه (حياتي) انه لم يكن في عصره من يأخذ الإلحاد مأخذ الجد، فإيمان الناس كان قويا. وكان حافظ ابراهيم يجالس شبلي شميل وهو متهم بالإلحاد. ومن المواقف الطريفة التي أورده توفيق في مقاربته للإلحاد: “ومرة كان حافظ وشبلي يستمعان لمطربة في ملهى من الملاهي، فلما أجادت المطربة صاح حافظ مع الصائحين: الله، الله! ثم التفت الى شبلي، وقال له: وانت كيف تصيح عند الطرب، والله عندك غير موجود؟ هل ستصيح: طبيعة، طبيعة!” (مذكرات قاري،٣٢٦، نقلا عن كتاب حياتي لتوفيق الحكيم، ١٤٧).
وتأكيداً لاهمية اللغة، يتمنى الكاتب لو ان الكاتب الامريكي الفلسطيني الأصل ادوارد سعيد كتب إنتاجه الفكري الثري بلغة قومه، ثم يشير الى اشكالية الاستتباع اللغوي الذي قد لا يكون اقل ضررا من الاستعمار السياسي والاقتصاد، وينقل في ذلك ما قاله الكاتب الكيني واثينجو في كتابه (تصفية استعمار العقل) الذي تناول فيه مشكلة هجر الكتاب الأفارقة اللغة المحلية، والكتابة بلغة المستعمر للتواصل مع ابناء الوطن ، ويوضح واثينجو هذه الاشكالية قائلا: “السوال هو نحن الكتاب الافارقة شكونا دايما من الاستعمار السياسي والاقتصادي النيو-كولونيالي مع أورو-امريكا، حسنا، ولكن باستمرارنا في الكتابة بلغات اجنبية، السنا في المستوى الثقافي ندين تلك الروح النيو-كولونيالية الخانعة الراضية بالاسترقاق؟ ما الفرق بين سياسي يقول: ان افريقيا لا بد لها من الاستعمار، وكاتب يقول: ان افريقيا لا بد لها من اللغات الاوربية؟ ( تصفية استعمار العقل، ٥٠). هذا نصّ نقدي فريد يوضح فيه الكاتب اهمية الاستقلال اللغوي للأمم، وان الاستعمار اللغوي لا يقل خطرا عن الاستعمار السياسي والاستتباع الاقتصادي، فان أمة لا تعتني بلغتها امة ميتة لا روح لها.
ويرى الكاتب أهمية التحصن الفكرى او التطعيم كما سمّاه، وذلك من خلال الاطلاع على التراث الفكري والنتاج الحضاري للامة قبل الخوض في خضم بحور الافكار المتلاطمة، حتى لا تغرق في لججها العاصفة، وتصبح كمثل الريشية في مهب الرياح، أينما تذهب به الريح يذهب، وانما يكون اتصالك مع الافكار قائما على علم وبصيرة، متكأ على خلفية حضارية وثقافية حصينة تمكنك من الغربلة وتمييز الغث من السمين. وينصح الكاتب القاري المسلم بقراءة كتب يراها مهمة لترسيخ الهوية الذاتية، ويقول:: “ولعلّ كتبا مثل كتب سيد قطب في معالم الطريق، والإسلام ومشكلات الحضارة، وكتاب طبائع الاستبداد للكواكبي، وكتب المودودي، وكتاب علي شريعتي (العودة الى الذات)، والشخصيات التي قدمها العقاد، واعتزازات محمود شاكر بالعربية وآدابها، وشاكر مصطفى بالحضارة العربية، من التطعيمات الثقافية التي تقي المسلم والعربي من الوقوع في تهوين الذات وسلبها. (مذكرات قاريء، ٣٢٧).
هذه التطعيمات التي اشار اليها الكاتب مهمة ومفيدة، ولكن ينبغي ان لا تكون زائدة عن الحدّ اللازم الذي يجعل الجسم محصَنا من كل دواء يأتي اليه من خارج منظومة الفكرية، حتى ولو كان مفيدا ويبعث الروح والحياة في اجزاء من أعضائه المتصلبة. وان كتابا مثل كتاب (معالم في الطريق) الذي نصح به الكاتب قراءته من اجل التطعيم، قد يكون حاملا لجرعات تطعيم زائدة لا تحتمله بعض الأجسام، فتشعر بحمى في الجسم، وسخونة في الرأس، وغليانا في الدماغ، فتصاب بالدوران والهلوسة، ويلجأ صاحبه الى الانطواء والعزلة ثم الخروج على نفسه وعلى اهله وعلى الجماعة، واذا شعرت في نفسك واحدا من تلك الأعراض الخطيرة التي أسلفنا ذكرها، فعليك بالاستشارة بطبيب ماهر يتابع حالتك الصحية، ومتخصص في تهدئة الأعصاب، وتخفيف التوتر، وتسكين القلق، وان لم تشعر تحسنا في حالتك فيجب عليك التوقف فورا من اخذ التطعيم (معالم في الطريق) والدخول في فترة استراحة ذهنية طويلة، واستجمام جسدي قبل الولوج في اي مغامرة فكرية اخرى لا يعرف عواقبها.
وللحديث بقية.
عبدالواحد عبدالله شافعي.

Share This:

عن قراءات صومالية (التحرير)

قراءات صومالية (التحرير)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *