في نهاية السبعينات كنت في الكتّاب أدرس القرآن في قرية أبالي من اقليم هيران، وأذكر أن أحد الأيام شاع في القرية أن أحد الكبار في المدينة- كان كبيرا في السن وكبيرا في العلم- تنبأ بوقوع القيامة قريبا في غضون شهور أو سنة، والشائعات في القرى تنتشر سريعا كانتشار النار في الهشيم، ففزع أهل القرية، واستعدوا ليوم اللقاء، وامّا أنا وغيري من الطلاب الصغار، فقد سررنا بهذا الخبر أيما سرور، وغمرتنا سعادة لا توصف، وكان سبب هذه الفرحة أننا سنكون في اجازة مفتوحة من الكتّاب، فلم تكن تهمنا قيام القيامة، ولا وقوع الساعة، ولم نكن ندري ما وراء ذلك من الأهوال والحشر والحساب، أكبر ما كان يهمنا هو أن نجد عطلة أبدية، لنرتاح من الكتّاب، وواجبات الحفظ، ونرفع عنا السوط على رؤوسنا.
ولكن الآن وبعد أن عشت هذه السنوات الطوال العجاف، أعود بالذاكرة الى هذه الواقعة، وأود لو أن الشيخ كان صادقا في تنبؤه، ووقعت الواقعة في حينها، ولم يتغير من هذه الأمنية شيءٍ، ولكن الذي تغير هو السبب والدافع، فإنني اليوم لا أتمنى ذلك للسبب نفسه الذي كنت أتمناه أيام الصبا، حين كنا في براءة الطفولة، لا نخاف عقابا، ولا نخشى حسابا، وانما كنا كالطيور، نحلق في جو السماء، نمرح ونلعب، لا نعرف التحليل والتحريم، ولم يكن يكدر صفو حياتنا، كما كنا نتصوره حينذاك الا هذا الكتّاب، وما يتطلبه من الجد والاجتهاد، والصغار في طبيعتهم يعادون كل ما يرونهم يشغلهم عن المرح واللعب.
ولما كبرنا وطال علينا اسرافنا في أنفسنا، فتراكمت علينا جبال من الخطايا على امتداد هذه السنين، وانغمسنا في متع الدنيا وزخرفها، صار اكبر ما أتمناه، أن أنجو بنفسي، وارضى من الحساب بالكفاف، واحتمل اخطائي وخطاياي لا عليّ ولا لي. ولو جرت الامور حينذاك كما تنبأ به الشيخ لكنت من الولدان المخلدين في جنات الخلد، فلا حساب ًولا عقاب ولا عذاب، وانما النعيم الممتد، والرضوان السرمد، وما كل ما يتمنى المرء يدركه. وعلى الرغم من ذلك فإنني لست متأسفا على الحياة التى عشتها في الدنيا، ولا متحسرا على رحلة الكد والكدح التي كانت لنا في ربوع هذه المعمورة، فان الانسان لا يكتشف انسانيته الا من خلال هذه التجربة الانسانية، وما فيها من تناقضات الطبيعة البشرية، ومن خلال الابتلاءات والفتن والتمحيص تظهر حكمة الله في خلق هذا الانسان الذي كرمه، وزوده بمصابيح الهدي ومشاعل النور، لتنير له الطريق، ولكنه في الجانب الاخر منحه حرية الاختيار في سبل الهدى او في أوكار الضلال، وفي هذه الحرية تكمن انسانية الانسان، وكل من لم يعش هذه التجربة وهذه الحرية، فان انسانيته لم تكتمل، وعلى قدر تحقق شروط الحرية تعظم المسوولية ويختلف الحساب. وآمل اننا خلطنا كل عمل سيء ظلمنا فيه انفسنا بآخر صالح رفعنا فيه الظلم عن الناس او أغثنا فيه ملهوفا او اعنّا محتاجا.
واخيرا، وربما يكون اهل القرية لم يفهمو كلام الشيخ، إذ انه ربما كان ينعى نفسه، ويتحدث عن قيام قيامته هو لا قيامة الناس، فقد قضى نحبه بعد مدة قصيرة، وقامت فيامته الصغرى، ولكن الناس طنواان الشيخ يتحدث عن قيامتهم فنشروا الهرج والمرج، وما اكثر ما يؤدي سوء الفهم الى اشاعة الهرج والمرج في محتمعاتنا، والعامة بطبيعتهم يميلون الى حب الخرافات والشعوذة، وقد قال المقدسي في وصفهم “ان الحديث إليهم (اي العامة) عن جمل طار، أشهى إليهم من الحديث إليهم عن جمل سار”.
وبعد، فكم كان من فضل للسوط علينا، فقد ذهب أثره وبقي نفعه. وكم نظلم المعلم والكتّاب في صغرنا، ثم نتعرف على أخطائنا وعقوقنا في حق المعلم والكتّاب كبارا، فان حياتنا كلها تتأسس على هذا التقليد الاسلامي المتوارث جيلا عن جيل، وما تعلمناه بعد ذلك في المدارس والجامعات ليس الا نتيجة هذه البذرة التي غرسها فينا المعلم في الكتّاب، فنبتت فاستغلظت فاستوت على سوقها فأثمرت من كل زوج بهيج.
لا أدري ان كان زملائي في الكتّاب يذكرون هذه الحادثة بعد كل هذه السنين، خاصة الاستاذ محمد شيخ عبدالرحمن السيد Mohamed Hassan, والاستاذ محمود راغي شيخ محمد Raage Abdi .
ومن عجائب الذاكرة انني قد اذكر ما وقع لي في ايام الطفولة بتفاصيلها، ولا أذكر شيئا مما وقع لي قبل سنة او سنوات قلائل.














