الرئيسية » مقالات » متحيّر الهُوية (١)

متحيّر الهُوية (١)

هذه سلسلة من المقالات حول موضوع الغربة التى لازمتني ملازمة الظل لصاحبه، وتخيلتُ وكأنها سهمي في معاناة العيش ونصيبي في قسمة الحياة مع انني راضٍ بما قسم لى ربي، وانا على يقين تام أنّ كثيرا من أبناء جلدتي يعانون بآلام الغربة وتطاردهم ليل نهار أكثر من غيري!، الغربة التي احرقت قلبي و أوجعت صدري وادمعت عينايّ وأهانت نفسي وأجبرتني ﻷن استعرض الذكريات المؤلمة والمواقف المتحيّرة.

أمي، ابي، إخواني وأخواتي وجميع أهلي أعزاء عليَّ بل وأغلى ما أملك في هذه الدنيا الدنيّة ومع ذلك اختارت لي الحياة أن أبتعد عن ديارهم التي تفوح منه رائحة المسك!، ذلك اليوم كان من احزن واشدّ الأيام عليّ في تاريخ مصارعتي مع الغربة والتي مرّت بي منذ أن ولدتني أمي وخرجتُ إلي هذا العالم المليء بالحزن والأسى!، والدي فرّق في إرجائه الواسعة بين المحب وحبيبه وبين الوالد وولده!، هكذا دون خيار انها الفرقة!، لوكان للغربة جسد لضربتُ عنقها ولوكان لها روح لدعوتُ عليها بالموت و لو كنتُ أقدر لأخرجتُها من قاموس اللغة!، عن الفرقة أتكلم ولأجلها اكتئبُ ومنها اشتكي الى الله واخطط الهروب من سجنها.

لا أقدر أن أصف لكم ذلك اليوم الذي تحركتُ من أرض الوطن، مسكن الأجداد وموضع الأسرة متجهاً الى مأوى لا أعرف منه أحداً، ملتفتاً إلى الوراء غير مصدق لما قررت فعله، أقول في نفسي” هل هذه هي اللحظة الأخيرة التي تودّع أحبائك ومحبوبيك في هذه البقعةالمباركة التى أمضيت فيها طفولة عمرك وقد لا تعود إليها أبدا”!!!.

إنه قرار صارم وخطوة مؤجعة ورحلة إلى مستقبل مجهول نسبيا!،كما كان أمراً غير مألوف في منطقة الصومال الغربي، وخاصة في مدينة قبردهر ذلك الوقت العسير، وأتذكر أني كنتُ اول من سنّ هذه الرحلة الرهيبة من بين أقراني وأصحابي.

كنتُ استنكر ماعزمتُ فعله وكانت نبضات قلبي تتحرك وتضطرب والدموع تسيل وكأنّ الطير المعروف (المكاء) يعلو على قلبي ويسفلو، وعندما كبرتُ وتعلمتُ شيئا من العلم وعلوم الشريعة علمت ان فراق الأوطان ليس بالأمر السهل والله يقول” وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ” ومن هنا نلاحظ أن الله قارن الشعور بين أن يقتل الإنسان نفسه أو أن يخرج من داره واهله ووطنه، وكما رُويّ عن النبي صلى الله عليه وسلّم انه قال في هجرته من مكة الى المدينة” ما اطيبك وأحبك اليّ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما سكنتُ غيرك”!.

إنني أعلمُ أنها مكة منبع الوحيّ ومركز النبوّة ومأوى خير البرية عليه أفضل الصلاة واتمّ التسليم، لكني استأنس من هذا الكلام أن الهجرة من الأهل والأصدقاء ليس بالأمر الهيّن!، وان مرارة الفراق تفوق الحسبان ولايمكن ان يتصورها إنسان لم يصاحب مرّها، وصدق المصطفى حين قال” ليس الخبر كالمعاينة”!.
“إنّ الغريب له مخافة سارق وخضوع مديون وذلّة موثق فإذا تذكر أهله وبلاده ففؤاده كجناح طير خافقٍ”، يُروى هذا عن الإمام الشافعيّ رحمه الله.

لن اخفيّ عنكم شعوري بل أقول بملئ فمي مع أنني أعيش بين اكتاف أولادي وفلذة اكبادي وأدير مركزاً يضم عددا من المعلمين والطلاب والأسر الصومالية إلا أنني أتجرّع كأس الحنظلة من غربة الوطن وأصدقائي القدامى.

أخيراً هذه سلسلة جديدة نتناول فيها قسطاً من مرارة الغربة ونطوف معاً في بلاد الله عبر القلم والكتابة بدءاً من منطقة الصومال الغربي واستراحة في مقديشو الحبيبة، ثم مروراً الى اليمن وانتهاء بأمريكا التى انا الآن فيها، وبين هذا وذاك مفاوز ينقطع بها الزاد!.

Share This:

عن عبدالنور حسن رشيد (بشاش)

عبدالنور حسن رشيد (بشاش)
داعية إسلامي مقيم في الولايات المتحدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *