الرئيسية » مقالات » ومن الإحسان ماقتل!

ومن الإحسان ماقتل!

في مساء ذلك اليوم حين جمع النهار أشتاته ولمّ شعثه متأهبا للرحيل، توجهتُ صوب النهر وحدي، لأمارس هوايتي التي أحبها لحد الشغف، إنها السباحة، فقد كنت طول اليوم أنوي الذهاب إلى هناك إلا أن أعمالا كثيرة أنيطت بي، هي التي صرفتني عن ذلك، فلم أجد فرصة إلا في ذلك الوقت، وفي الطريق إلى هناك صادفت شخصا مزعجا، معروفا بالتسكع، رث الهيئة، كنت أتقزز منه، فلما دنا مني واقترب، ألقى بالتحية عليّ، فرددت التحية على مضض، وأنا أشيح بوجهي عنه، مخافة أن يناديني بالصغير كعادته، أكره هذا الشخص!.

لا أعرف سببا لهذا الكره، كلماته تغيظني، ونبرته تزعجني، فاستمررت في المشي أحثّ السير، وأنا أتمني أن تتحول قدماي إلى جناحين أطير بهما شوقا إلى السباحة وتوقا إلى النهر حتى وصلت إلىه، فكدت أطير فرحا، غمرتني النشوة، ودخلت في النهر وبدأت أسبّح وأعوم وأغوص في قعر المياه، ناسيا عما حولي من الدنيا، كأني ذبت في الماء كالثلج فأصبحت جزأ منه، حتى ألقى الليل ذيله على الدنيا، فأصبح الجو مظلما والمكان معتما، فكدت لا أبصر شيئا، حينها نهضت كأني استيقظت من سبات، متوجها إلى خارج النهر، وفجأة لمحت تمساحا كبيرا، تحت ضوء القمر الباهت، إنه يسبّح نحوي، يا للهول، ما ذا أفعل؟ّ فتجمدت رجلاي في داخل النهر، فلم أستطتع أن أتحرك، كأن أقدامي صخورا يصعب حملها، فشعرت يدا قوية تختطفني وتدفعني نحو الخارج، فنظرت إلىها، تخيلوا من يكون؟!.

إنه سامح ينقذني من التمساح

وفي ذلك الأثناء فقدت وعيي، وذهب إحساسي، وبعد فترة أفقت فوجدت نفسي في حضن أمي، تدغدغ وجنتي، وتقبل جبهتي، فلما رأت أني فتحت عينيّ سرّت كثيرا وتمتمت بقول الحمد لله

فجلست أجول ببصري في الأرجاء، فقالت لي أمي: هل أنت بخير؟

فقلت لها: على ما يرام.

فسمعت صراخا من فناء البيت، قلت لأمي: ما هذا؟

قالت إنه المجرم سامح، أليس هو الذي فعل بك هذا؟ّ

أغرقك في النهر، فأعمامك يعطون جزاءه، يشبعونه باللكمات واللطمات والضرب بالسياط.

فقلت بعصبية: إنه أنقذني يا أمي من التمساح.

وهرولت نحو الفناء فصرت مذهولا مشدوها حين رأيته مكبّلا بالقيود يتلقى التعذيب من قبل أعمامي، فانكببت عليه أذود عنه وأحميه من الضرب، صارخا في وجههم، فكفوا عن الضرب يلتقطون أنفاسهم، وخرجوا كلهم فرحين مستبشرين بعودة وعيي، ولم يبق في المكان معه سوايّ، فأسفت لحاله ورثيت لأمره،  فوقعت عيني على كوب من الماء، بالقرب مني فناولته إياه،وكان ملقى على الأرض، فلم تستطع يداه المرتجفتان اللتان أنهكهما التعذيب، الإمساك بالكوب، فوضعت الكوب على شفته وأفرغت محتوي الكوب في داخل فمه، وهو لا يحرك ساكنا، فلم تمض ثواني حتي خرج من فمه زبدة بيضاء وبدأ يغرغر، كأن سكينا غرس في نحره، أو سهما أصاب صدره، فدخل بعض أعمامي عليّ يقول: هل أعطيته السمّ يا فاتح؟ لقد قتلته؟!.

فبدأت نفسه تجرجر في الحنجرة، وقلبي يخفق ويكاد أن يقطر دما، كيف قتلت الشخص الذي أنقذني، ضحّى بنفسه لأنجو، وأعمامي أذاقوه صنوف العذاب والتنكيل، فجئت كي أباشر العمل وأنهي المهمة دون علمي، إنهم وضعوا السم في الماء يهددونه لإجباره على الإعتراف بالجريمة التي هو منها بريئ كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب، فبكيت كثيرا، وبعد قليل فارقت روحه البدن ولفظ أنفاسه الأخيرة.

Share This:

عن أحمد ولي شريف

أحمد ولي شريف
كاتب وشاعر صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *