الرئيسية » مقالات » موجة التضليل الإعلامي (تأكيد للعولمة وبرمجة للعقول)!

موجة التضليل الإعلامي (تأكيد للعولمة وبرمجة للعقول)!

يزخر العالم اليوم بفضائيات جبارة ووسائط إعلامية متعددة الأشكال والأدوار، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي منبرا لتشكيل الوعي الزائف وتتويج هالة اجتماعية لمن يمارسها بشكل “وظيفي” قاصدا بذلك التوغل في طبيعة التفكير البشري وتحطيم خصوصيات الثقافة والأيديولوجيا، كل هذا وذاك يتم صياغته عبر الإعلام الدولي وما يسمى بالعولمة والانفتاح على العالم، ولم تعد تلك الخطة الهادفة – في ترتيب نظام العالم على غرار منطقيات “الامبريالية” ومفاهيم “الليبرالية”- جاءت اعتباطا ثم افتعلت مع الطبيعة حتى صنعت نفسها بنفسها!.

كلا !، بل هنالك هياكل مخططة وقامات فكرية تحيك خيوط برنامج “التضليل الإعلامي” من وراء حجاب لا يعلمها إلا الله وقليل من عباده المتيقظين!، وتنوي بذلك سيطرة العالم بثرواته وما ينعم به من خيرات كما تسعى جاهدة في ضبط سياسة “الاقتصاد الدولي” وتدقيق مسار “التجارة الدولية” من لدن القوى العظمى التي تفتري على الناس بإعلامها المضلل ومنتدياتها الساحرة؛ مثلهم مثل سحرة فرعون -تماما- إذ نصبوا لموسى عليه السلام فخا خطيرا يستقوي بأذرع وهمية وثعابين مصطنعة!.

يرمي “التضليل الإعلامي” إلى تأكيد مفعول العولمة ولا يأتى هذا إلا بتخدير العقول!، وفوق ذلك الإيمان المتنامي في قلوب ساسة الغرب ألا وهو “مادية الأسباب وبرغماتية النتيجة”!، وتظهر هذه القاعدة من سلوكياتهم وأساليبهم الملتوية في تدبير شئون العالم الثالث!، وأيضا شكل المجتمع الغربي الذي يتميز بناؤه بسياج “التمركز الطبقي” والاستغلال الفظيع على ذوي الحاجات الضعفة!، ولما كانت الاستراتيجية “الامبريالية” تركض وراء احتواء العالم من الشمال إلى أقصى الجنوب، أنتجت ظاهرة “العولمة الامبريالية” من مصنع تدمير ( الخصوصيات الدينية والثقافية )!.

وحول هذه القضية المتأزمة والظاهرة الاستراتيجية نرغب أن نسلط الضوء على ثلاث محاور، وذلك لتوضيح طبيعة التضليل الإعلامي منها:

المحور الأول : الإعلام اليوم وصوت الحقيقة المطلقة:

يشكل الإعلام المرئي والمسموع وكذا المقروء انطباعات تجذب بالإنسان إلى تبني الفكرة المطبخة في كواليس الإعلام باعتبارها حقيقة مطلقة لا تنال بالاعتراض والانتقاص ؛ فيعرض الإعلام كل القضايا بهندسته الخاصة به ، لتؤمنوا بالقضية والحدث بكل أبعاده كما يراه ، لا كما هي الحقيقة الثابتة !! وللافتعال بالزاوية التي يهتم بها الحاملة بأغراضه فينساق بالخلايا النابضة في جسم الإنسان الثالث فتخدره وتطبعه باللون العولمي “احتلال برمجي”!.

يأتي عليك يا صاح من بالمحيط الذي تعيشه – أنت وهو من أبناء بيئة واحدة- فيسديك ما استمع من أخبار وأحداث وماجريات ، وفي ملامحه أثر القناعة الباهرة أشرب في قلبه كل ما يبث الإعلام الساحر وما ينشره من برامج ووثائق ، وكأن الإعلام عنده هو المصدر الوحيد الذي يصنع الحقيقة ، وأصبح بالنسبة لكثير من البشر مدرسة تعليمية تقدم لهم المعارف وتؤطر لهم الأنساق الحضارية وتفكيك العلاقات الاجتماعية ، طابورهم في الجلسات الصباحية مع كبار السن ، وختامهم مع الجدليات السياسية المحرق ! إذ لم يترك الإعلام مجالا إلا ويشكل خرائط أدمغة البشر على وزان مقتضيات العولمة باستخدام مخدرات العقول!.

إن الإعلام اليوم يا سادتي خطير جدا يدغدغ العواطف الروحية ، ويتهجم على الحقائق الإيمانية ف “تحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ” أليس الإعلام المضلل في رتبة سحرة فرعون في عهد موسى عليه السلام تضليلا وتلميعا وإلهاء ؟ لأليس الإعلام قي عراك مرير مع سمو الوحي وصفاء الوجدان ؟
وأكبر مدخل لموجة التضليل الإعلامي من باب منهجية التحليل الاجتماعي في ظل غياب منهجية مماثلة له ، فيسمح هذا المدخل الشيطاني إلى التجاسر في “القطعيات” و “البعد الدوغمائي” وبتر إرادة العقيدة في الضمير والسلوك الظاهري .

وتبرز في الواقع منطقيات مستفزة وسلوكيات تتحين الفرص بصورة رهيبة تفكر في الانتصار أيا كان وجهه ، وتبرر الوسيلة بطريقة ميكافيلية ، لا ترى للغيب أي وزن معتبر ، ولا للبشر أي كرامة إنسانية ، فأنتجت في العالم أشباحا بلا أرواح ، وإنسانا بلا إنسانية ، وبرغماتية بلا وازع ولا ضمير ، وتسهر في تفكيك التصور والمبادئ والفكر السامي ، فتشظت الحقائق الإيمانية بفعل الإعلام المبرمج والعولمة الطاغية ، ومن هنا ندخل المحور الثاني الذي يشرح لنا الإعلام ودوره في برمجة ب “مفاهيم العولمة” وتدمير خصوصيات الثقافة!.

المحور الثاني : الإعلام والجيل المؤدلج بمفاهيم العولمة:

في أتون الحرب العالمية الأولى والثانية نشأت إثرها مذاهب فكرية تتصارع في البقاء والسيطرة والنفوذ الدائم في العالم ، ما أدى إلى تنوع وسائل الحرب والمواجهة ، فمن تلك الوسائل الناجعة نتوء ظاهرة العولمة في الميدان لتكرس قوة ” الأحادية القطبية” بنصوص أبرزها “الحرب على الإرهاب” والقضاء عليه ، و “التجارة الدولية” و “البنك الدولي” وصارت العولمة أقوى سلاح يضمن البقاء للعالم الغربي ، وذلك بطبيعتها المخترقة للأجواء الفكرية ومختلف المناخات الثقافية السائدة على حد سواء في عالم الكون .

إن العولمة تهدف الكيانات الفكرية و “المذاهب الاجتماعية” بالتفكيك ونظامها الاجتماعي المتمثل بأمريكا في الدرجة الأولى وتتمرس في تقويض عناصر التقديس والنصوص الإيمانية معتبرة إياه لاهوتا خرافيا ! يمنع من انتشار ثقافة الحرية وروح الإبداع وما ذاك إلا “افك افتراه وأعانه عليه” اليأس المسيطر في قلب العالم الإسلامي!، وتستمر العولمة نضالها في سبيل احتواء العالم في قرية مكعبة صغيرة تبتلع ثقافة موحدة وطريقة تفكير واحد من وحي ناموس العولمة ، وتطفو على السطح قاعدة “التابع تابع”!، هل العالم الإسلامي بعد هذه الصورة إلا أفراخا تناسلته “القطب الأوحد” وعقاربه في القارة العجوزة ؟!.

ولا تزال الأجيال في العالم الإسلامي تمتص الثقافة الغربية متأثرا بالعولمة فيفكر بمنهج إلحادي ! ولقد رأيت من يتسلى بسيرته القديمة والأيام الخوالي من عمره ويصور كيف أنه كان رجعيا يؤمن باللاهوت والخرافات على حد تعبيره ، وأنه يهيب عند كل دعوة تناشد تبجيل المقدس فيركع ويتنحى للمقدس ، يروي قصته بسخرية تنبو منها الأسماع ، وأخيرا يختم بضحكة قهقرية ظانا بأنه اهتدى وعلى جادة الطريق ! وتالله لقد أضلت العولمة قومها وما هديت .

نلاحظ في متون الكتب الأدبية والترف العقلي من يروي لنا قصة بأحرفها الخبيثة ثم ينوه مصدر الحكاية وموطن الواقعة بتعبير منبهر ، فيتفاعل بتضاريسها المغرمة وهضابها المحزنة ، فتنهدس القصة خريطة دماغه برسم إلحادي إمبريالي ، ونهج معلمن يضخم بنيات أرباب الفكر العلماني بذريعة ألغاز الحرية والديمقراطية .

المحور الثالث :العبور الإعلامي واحتلال الإنسان بناموس العولمة:

إن المتأمل بطبيعة الإعلام العالمي وكيفية سير عمله إن كانت نشرات إخبارية أو عرض وثائق تاريخية أو لقاءات خاصة ، يتم توظيف كل البرامج على وفق أغراض استراتيجية بعيدة المدى ، عبورا بالكذب المختلق في الحرب على العراق مثلا ، إضافة إلى ذلك برامج ” ابن الرافدين “و ” العم حمدان ” والذي تولى إخراج نصوصها وتجهيزها التلفزيون الإسرائيلي وذلك لقراءة ودراسة الشخصية العربية وتعميق مرض الاحباط والاستسلام ويتفنن الاعلام اليوم إسقاط الحكومات وتأليب إتجاهات ” رأي العام ” ضدها ، وذلك بعد ما فني حصاد الحكومات الساقطة وضمرت فعاليتها ، فلم تعد تستطيع إنارة وعي الشعوب ، فينقلب الإعلام المضلل إلى معسكر الشعوب المناهضة ضد الحكومة ، مستخدما بأسلوب عبقري آليات التضليل وتعتيم الحقائق إلى درجة أن يتلبس بلباس الناصح الأمين ، فيزلفهم بفخه المظلم ويحتل قلوبهم ويسيطر عقولهم ويتولى أفكارهم ، فلا ينظرون إلا بعين العولمة ولا يبنون رأيا إلا بزينة العولمة…

وهكذا…

Share This:

عن عبد القادر عثمان شيخ آدم

عبد القادر عثمان شيخ آدم
كاتب صومالي عن العلوم الإجتماعية والفكرية يحضر الماجستير عن تخصص أصول الفقه، ومقيم بالخرطوم-السودان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *