الرئيسية » مقالات » صوماليلاند.. بين ذبح حلم الإعتراف وخرق النسيج الإجتماعي!

صوماليلاند.. بين ذبح حلم الإعتراف وخرق النسيج الإجتماعي!

إلى أين تتجه صوماليلاند ؟

في 18 مايو عام 1991م بعد نحو 3 أشهر من انهيار الحكم المركزي في الصومال بقيادة الرئيس الراحل محمد سياد بري تم الإعلان عن ميلاد “جمهورية أرض الصومال”، وتمخض ميلاد صومالاند من خلال مؤتمرات لزعماء القبائل في شمال الصومال الذي نظّمته جبهة الحركة الوطنية الصومالية (SNM) المعارضة لنظام سياد بري والتى سيطرت هذه المناطق إثر سقوط حكم العسكر، فتم هذا المؤتمر في مدينة برعو، تحت شعار ” مؤتمر برعو للمصالحة وتقرير المصير” ثم قرروا الانفصال عن جمهورية الصومال الديمقراطية (التى عرفت آنذاك) والعودة إلى حدود ما قبل 1 يوليو عام 1960م بعد إنضمامهما إلى جنوب الصومال….

وفي الوقت نفسه دخلت صوماليلاند -منذ أن أعلنت انفصالها عن بقية أراضي الصومال- مرحلة بناء المؤسسات والوكالات الدولية، بيد أنها لم تحصل -إلى الآن- اعترافا دوليا، منذ آنذاك تم إنشاء نظام جمهوري قائم بالأحزاب السياسية والانتخابات الحرة والتصويت الشعبي، ومجلس البرلمان ومجلس الشيوخ، ومن ثم طرح الدستور الجديد للإستفتاء عليه بـنسبة 97% في عام 2000م، ومن جانب آخر عززت صوماليلاند الأجهز الأمنية بدءا من الشرطة والجيش والمخابرات، وأكتمل بناء المؤسسات بشكل تدريجي بدءا منذ أيام إنفصالها عن الجمهورية الصومالية!.

لا ريب أن كل الجهود المبدولة في صوماليلاند واجتهاداتها إنما تروم وتسخر أو تنتصر وتتحقق أحلامها، بيد أن التغلبات السياسية والإجتماعية والتحديات المشتركة التى تواجهها في الداخل والخارج هو إدراك إلى نهاية المطاف… فمثلا قضية (الإعتراف) أصبحت من أبرز القضايا، وتسعى جاهدة في سبيل تحقيق حلم الاعتراف في أكثر من ربع قرن، غير أن الحكومات المتعاقبة لم تنجح في تحقيق الاعتراف!، ولكن نلاحظ أن بعض الدول تتعامل مع صوماليلاند في شكل يشبه بتعامل حكومي!، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا يتأجل الاعتراف ويتكرر الفشل قرابة 28 عاما بعد إعلان إنفصال عن الصومال؟!

أجل، لكل شيء له بداية ونهاية ولن تستمر الأمور كما هي وعلى حالة واحدة، فالوقت يمشي، كذاك الزمان يدور حول نظام العالم… فقد قال أبو البقاء الرندى في رثاء له بعد سقوط دولة أندلس:-
لـكل شـيءٍ إذا مـا تـم نقصانُ ** فـلا يُـغرُّ بـطيب العيش إنسانُ

فكل دول العالم -كانت صغيرة أوكبيرة- يدوم بقائها بالعدالة والمساواة بين المواطنين، فقد يعتقد كثير من الساسة الجنوبيين أن أمل الإنفصال في صوماليلاند مهدد بوجود شرخ اجتماعي ينساق في جسم المواطن دونما العوامل الأخرى المرتبطة بالخارج!، ويتمثل الشرخ الاجتماعي غياب العدالة والمساواة باستفحال عامل القبلية، والقبلية وحدها تكفل تدمير طموحات الجمهورية وتقف كحجر عثرة في التدامج الحسي، وكان واقع جمهورية الصومال متأزما بداء القبلية ما أحجم عن تقديم قناعات لصوماليلاند؛ ولكن شمس القبلية تستكمل دورتها فتشرق في سماء جمهورية الانفصال!، وتتميز كل دولة منذ الانفصال بميزات تقارن بظروف عهدها ولم يبدأ العد العكسي حسابه لينزف جهود الودة وينسف طموحات بناء الدولة …

التسلسل الحكومي منذ الإنفصال (عبدالرحمن أحمد على “تور”، محمد حاج إبراهيم عجال، طاهر ريالي كاهن).

ظلت هذه الحكومات المتعاقبة في تقرير استراتيجيات بناء أركان الدولة وتحسين وضع المجتمع، فحكومة عبدالرحمن “تور” تواجه تحديات مرحلية ما تشتغل في إصلاح قبائل وعشائر صوماليلاند، ما أدى إلى نقلة نوعية في تطور البلاد مما مهد للبلاد أن تقام فيه إنتخابات حرة ونزيهة يفوز في الرئاسة السياسي المخضرم، محمد حاجي ابراهيم عجال المعروف بلقب “أب البلاد”، نظرا لجهوداته الاصلاحية، وكان من أهم أعماله التي أنجزها تمرير المسودة كدستور رسمي للبلاد وتم عرضه على الجماهير للاستفتاء عليه، واستلاء السلطة على الأسلحة من القبائل وتوحيد الميليشيات القبلية، وتأسيس مؤسسات أمنية وعسكرية لفرض النظام وحماية البلاد، واستمرت عملية بناء الدولة، حتى قيام نظام تعدد أحزاب السياسية الديمقراطية المختلفة التي تتنافس على الرئاسة عبر انتخابات عامة!.

كانت هذه الخطوة هامة للصوماليلانديين، ونجحت ثلاثة أحزاب التي نص عليها الدستور الجديد، هم (حزب أدوب وحزب كولميي، وحزب أعيد)، وأذيع نبأ وفاة السيد الرئيس محمد حاجي إبراهيم عجال أثناء رحلتة لتلقي العلاج في جنوب أفريقيا في عام 2003م، وبهذا أعلن مجلس الشيوخ أن يتولى رئاسة البلاد نائبه طاهر ريالي كاهن؛ ومسيرة التقدم في صوماليلاند لم تزل مستمرة رغم كل المعوقات والتحديات أمام الدولة من ضعف الاقتصاد وضعف تحديث نظم السياسة، وأيضا هناك ظروف أخرى مثل الحروب التى تشعل في جنوب الصومال، وتمكنت صوماليلاند أن تحافظ على أمنها واستقرارها، وأن تكمل نواياها في سبيل بناء الدولة التى تعتمد على المؤسسات المنتخبة “ديمقراطيا” من قبل شعبها.

حكومات ما بعد 2010م.

وفي شهر يونيو من عام 2010م؛ أجريت ثاني انتخابات رئاسية في صوماليلاند، وكان المتنافسون ثلاثه من أحزاب السياسية، حيث فاز الرئيس السابق أحمد محمد محمود سيلانيو ونائبه عبدالرحمن زيلعي بالرئاسة، بعد هذه الإنتخابات كان التقدم والتطور في واقع صوماليلاند ينزل تدريجيا من قبل الحكومة الجديدة، فكان أعمالها يقتصر بتعيين الوزراء والمسؤوليين للحكومة وعزل ثمة مسؤوليين آخرين، فلم يعد يقرر الشعب مصيره ولا يعرف أين تتجه الحكومة! بل كانت الأسعار مرتفعة!، وأصبحت القبلية يصعد نجمها في سماء صوماليلاند ويفرح بها شياطين من المتسلقين بالرئاسة!.

تأسست عصابات من المسؤوليين في داخل الحكومة تزرع بذور العنصرية والميل إلى بعض القبائل دون اهتمام للمصلحة العامة، فالعدالة سقطت، والأمانة ارتحلت، والإنسانية ماتت، وكل شيء يجرى على العكس… وقضية الإنفصال تقترب إلى الإنهيار، واستمر البلاد في سنوات عجاف تقوده ( جيغان ) نحو هاوية من نيران القبلية، وأنتهت فترة رئاسته رغم ما حصل من تمديد؛ ثم أجريت إنتخابات بين الأحزاب السياسية (كلمي- وطني- أعد) وذلك في عام 13/11/2017م، إلا أن الانتخابات الأخيرة كشفت عن سطحية بائنة وغباء سياسي نتن، وحالة مراهقة جداً لا تقاس بالمسطر السياسي؛ بسبب ارتكاب حزب الحاكم (كلمي) تزوير أصوات المنتخبين واختلس الشفافية في وضح النهار وعلى عين من سابقه للفترة الرئاسية …

وعلى الرغم من ذلك فان قيادة الحزب الحاكم في صوماليلاند” كولمي” قد أقرع كثيرا من التفرق والتشتت الذي عمم الشعب كله، وأفضى إلى تمزق القبائل، وكانت الديمقراطية في صوماليلاند -التى تسمح تداول السلطة بطريقة سلمية ومتصفة بأسمى الزاهة والشفافية- تأتي بالعجائب من تعاون قبلي مقرف وحملة إعلامية جاهلية وختمت أعمالها السيئة بالتزوير، فالإنتخابات البلدية التى انعقدت في 2012م والرئاسية التى حدثت في 2017م قد تمت خرقا للوائح والقوانين الدستورية فتحول الحكم في يد فئة طاغية تساوم على شعب أنهكه التقصير الحكومي والعجز الإداري واستعبدت الشعب بالاستبداد، فعارض الشعب من تزوير الأصوات رغم كونها طريقة غير شرعية، فاستخدمت الحكومة بإطلاق الرصاص على صدور المحتجين العارية ورقصت على رؤوس المتظاهرين، وكانت النتيجة القتل واهراق دماء الشعب؛ لأن حزب (كلمي) فشل فشلاً ذريعاً في إقناع الشعب بطريقة سلمية!.

هذه الحكومة المنتخبة تسير باتجاه تقسيم القبائل والعشائر وتذبح اللحمة وتخرق النسيج الاجتماعي ؛ وسوف تنتهي بنهاية مؤسفة تسبب الصراع الداخلى، وفي الوقت نفسه تعم البلاد أزمة النظام الفدرالي والتراجع عن طلب اعترافها من قبل العالم.

إن الفشل أو النجاح للحكومة المنتخبة في صوماليلاند لا يعني شيئاً لشعبها حيث صار حزب كلمي 7 سنوات حاكما لصوماليلاند… ولم ينجز قضية الاعتراف -فقط- التي أصبحت ذريعة وهمية لإدامة الصراع في المنطقة من قبل أطراف الصوماليين..

لقد عانى شعب صوماليلاند الظروف القاسية التي نتج من حكم حزب(كلمي) قاصم ظهر الطموحات، فنفوسهم لا تهوي سوى الباطل وكبح العدالة بين الشعب، كيف تكون حكومة (كلمي) الرائدة والقائدة لجميع القبائل بعد تلاعبها بالدستور وإشاعة العنصرية ؟؟؟. الغارة والنهب والتكبر ومزاولة جميع أنواع الفساد التي نخرت عظام الشعب، هي التي تقطع أحلام عمر قضية إنفصال صوماللاند.

فالحكومة الحالية المتثمل في حزب (كلمي) التي يترأسها موسي بيحي عبد هي غير مؤهّلة بقيادة البلاد ولم يستحق خوض غمار السباق الرئاسي طالما يوسع قوة الخلاف والتشرذم؛ لأن الأسباب الداعمة هي أنها لم تأت بوجه الاصلاح عن الحكومة السابقة، فالأمور كلها تستمر على أحوالها أو حالة أسوأ عنها .

إننا وصلنا إلى المرحلة الأخيرة من التطور السلبي لصوماليلاند، بسبب السياسات التعسفية للحزب الحاكم (كلمي)، ومن ثم فربما تبدأ مرحلة جديدة لحياة وحشية تبيع البلاد في سوق النخاسة!.

Share This:

عن حسن عبد الرزاق عبد الله

حسن عبد الرزاق عبد الله
كاتب وباحث صومالي يحضر الدكتوراة في التربية - جامعة بخت الرضا- السودان

تعليق واحد

  1. Avatar

    صوماليلاند بلدنا يمكننا أن نقرر تطورنا عليك أن تكتب الأشياء الهامة في بلدك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *