الرئيسية » مقالات » متحيّر الهُوية (٢)

متحيّر الهُوية (٢)

في السطور الأخيرة تجد بيت القصيد، لكن قبلها دعوني أذهب معكم الى الوراء؛ لأشير التاريخ المرّة والتى تعود إلى أكثر من ثلاثين عاماً لأستعرض الذكريات المؤلمة والمراحل العسيرة ولأربطها بما يحدث اليوم في الساحة الصومالية!.

ولدتُ في مخيم اللاجئين المسمى بـ (Luuqjeelow) والذي يقع في وسط جمهورية الصومال، وعلى أميال قليلة من مدينة بلدويني، الجذير بالذكر أن أبي كان من أفراد الجيش الصوماليّ، وقد شارك في حرب 1977م الذي دار بين إيثوبيا وجبهة تحرير الصومال الغربي المدعومة من قبل دولة الصومال، وبعد سقوط الحكومة المركزية واندلاع الحروب الأهلية في الصومال انتقلنا الى الصومال الغربي”أوغادين” والتى يقطن فيها الأهل حتى الآن!، ولم أنس مسقط الرأس وموضع التميمة ومركزنا الأول والأخير”جمهورية الصومال” بل وكنتُ احلم بالرجوع إليها؛ لأزور المخيم ومراتع الصبا وﻷكحل العيون أصحابا كنتُ أستأنسهم فترة الطفولة ونعومة الأظفار!.

ساقني القدر إلى مقديشو مقر الحكومة ومنبع الحضارة والتقدم ومفتخر كل صوماليّ اصيل، وقد أقمتُ فيها فترة من الزمن، تعلمتُ الحياة ومذاقها الحقيقي وتجولتُ شوارعها شرقاً وغرباً واصطحبت فيها أخياراً لن أنساهم ما دمتُ حياً، بل وقد أخذت فيها جميع مراحل التعليم بدءا من الأساسية وحتى المرحلة الجامعية، وطفتُ حلقات المساجد يمنة ويسرة، ولى هناك علماء ودعاة أقمتُهم مقام الوالد، بل كان الواحد منهم يصادفني في الصباح الباكر وعند الطابور المدرسيّ بقوله” هل تناولتَ الفطور”!، ولم يقتصر على ذلك حتى مس صدري ومسح بطني كالأب الحنون الذي يتأكد بحال ابنه الصغير!، ذالكم هو الشيخ المفضال والمحدث البارع” شيخ عمر “صاحب اللحية الطويلة والجبهة المنيرة وقد يتصف بقول الشاعر :

إن يفترق ماء الوصال فماؤنا * عذب تحدر من غمام واحد

أو يفترق نسب يؤلف بيننا* دين أقمناه مقام الوالد.

لا أستطيع ان أسرد لكم ماحدث في هذه الفترة الطويلة وقد يكون الحديث عنها مملا والتى تمتدّ أكثر من ربع قرن وتحمل في طياتها معاني ومواقف متباينة، وظروفاً يصعب أن يتفوه اللسان بذكرها وتتشعب الأفكار بالتعبير عنها، أودّ فقط ان أشير مع انني “ابن الصّومال” وحَبْلُ سرتي مستور تحت شجرة تظل على نهر “شبيلي” المعروف وعلى مشارف من مدينة “بلدوين”؛ إلا انني أعاني من أزمة الهُوية والتى لم يسلم منها أحدٌ من “بني الصومال الغربي” سواء كان عالماً او عابدا، رجلاً او امرأة، ولا فرق بين اذا كنت من مواليد مقديشو وعشت فيها أباً عن جدٍ او هاجرت إليها ونزلت فيها!

إنها الحقيقة المرّة التي يستحيي منها العلماء ويسكت عنها المثقفون ويتحدثون عنها لوحدهم بعيدين عن أعين الناس ليتساءلوا بينهم من نحن؟ والى أين ننتمى! وقضية قلب طقح ليست بعيدة عنّا!.

كان في تعداد الجيش الصومالي وجُرح لأجل دفاع الوطن ومات أخوه الأصغر لأجل هذه النجمة التى تتوسط بالعلم الصومالى وتشير أراضيه المستقلة والمحتلة معا ومع هذا سلّمته الحكومة الحالية الى إيثوبيا ليكون كبش الفداء!.
كنتُ واقفاً أمام مكتبي حين سلمتني بنتُ صغيرة -ولم أكن أظنها تعلمُ حال قلب طقح ولا السياسة عموماً- فسألتني” متى تزور إيثوبيا” وقلتُ مازحاً: أنا صوماليّ مالى ولإيثوبيا!.

قالت بملئ فمها” لماذا تهرول وراء الصومال التى تكرهك وتسلّمك إلى عدوك” انت إيثوبي شئت ام أبيتَ!، فقلتُ في نفسي هل أنا إيثوبي فعلاً، وكيف أكون إيثوبياً يا رفاق! حقاً انا لا اعرف جنسيتي!

هل الجواز الذي يحمله الشخص هو الذي يحدد هويته؟ ام اللغة التي يتكلم بها؟ او هي الأرض التي دفن فيها سرته ويسكن فيها أجداده! ام ينتمي إلى الدولة التى احتلته وأجلَتهُ عن مسيرة الحياة وأجبرته لان يعيش معها او يُهدى إليها مكبل الأيدي لينهي ما بقي من عمره تحت الزنزانة ورحمة الكهرباء!.

Share This:

عن عبدالنور حسن رشيد (بشاش)

عبدالنور حسن رشيد (بشاش)
داعية إسلامي مقيم في الولايات المتحدة

تعليق واحد

  1. Avatar

    لست اثيوبيا ولا صوماليا ولکن درجة بين الدولتين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *