الرئيسية » مقالات » الوطنية الخرافية (سرد خيالي)!

الوطنية الخرافية (سرد خيالي)!

منذ الطفولة تعلمت من أمي معنى الوطنية؛ أن يكون هناك وطن عزيز تنتمي إليه!، نشأت على هذا “الإيمان المغشوش”، وعشت معه بكل الظروف، لم أعد النظر في كلامها، وكنت أرى أن النفاق والزندقة هو التشكيك بذلك، مع أن الوضع الذي أعيش فيه كل عام مليء بالموجات السياسية البغيضة، أجواء تمتزج فيها الوطنية والقبلية معا، كان القتال الشرس يجري ضد مجموعة من الأشرار كما يقول لسان حال المجتمع، وكانت هذه الفعاليات والجهود تبذل من أجل الوطن كما يقال، من أجل حفط نسل الأهل والسلام ، والأرض التي ورثناها من أجدادنا جيلا بعد جيل!، لم يكن يثير انتباهي في ذلك الوقت إلا أنني كنت أخاف على فقدان حياتي أثناء هذه التقاتلات والمواجهات التي يتعرض لها البعض في ظل دفاعهم عن البلد وحرصهم على الوطنية، كان من المعتاد الظريف رؤيتهم متماسكين وهم يموتون بكل استماته!.

الوطنية التي تعلمتها في ذلك الوقت كانت قتالاً بين قبيلتن، كل قبيلة تحرص على عدم تعدي الأخرى على أسوارها وحماها – تم اختزال الوطنية في أمتار القبيلة – !، دفاع المرء عن مسقط رأسه كانت عنوان الوطنية الكبرى!، لست مضطرا أن أتحدث عن زمن مضى لنفترض أن هذه الوطنية الخرافية انقرصت منذ عصر، لا يا سادة الكرام لم تتلاشى بعد أن الرجال الأقوياء الأبرار ذوي الإيمان العظيم والذين كانوا يضحون بأنفسهم لهذا وذاك لم يرحلوا عن الدنيا، انهم موجودن بيننا!، يمسكون البنادق ويضغطون الزناد بكل قوة، إلى الآن لم ولن أتخلى عن إيماني بهذه الوطنية أو بالجينيات القتالية الشرسة التي تجعلنا دوماً على أهبة الأستعداد للقتال وصد هجمات الآخرين، كل قبيلة كانت مصرة على دفاع وطنها ووطنيتها الممقوقة، لذلك السبب أفتقد الطعم الخاص التي يتذوق بها الآخرون فيما يسمى بالوطنية، أو ما شابه ويندرج تحت هذه الرايات!.

يا سادة ، هل أذكركم لماذا لم أجد وطنيتي التي حلمت بها، لا أقصد الوطنية التي كانت تغرد أمي بصوتها الشجي الحنون عندما تداعبنا في الليالي أوان طفولتنا!، لم يتسنى لي الوقت لأمحوها عن ذاكرتي، وعلى هذا الأساس تؤرقني الشكوك من أن أمي أيضا كانت لا تؤمن بالوطنية والكفاح السرمدي للقبيلة الذي يتصبب العرق من جبين الشاب اليافع لأجل هذا وذاك … آه لماذا لا ينهار إيماني نحوها ويبقى في غيبوبته؟ دعني أصرح لكم ما أقصده بـ ” الوطنية الخرافية” التي مرت علينا بالسطور أعلاه، كل هذه الكلمات الفظة التي عبرت عنها بصيغة غير معتادة وددت أن أجعلها لكم تمهيدا يختلف عن الأساليب التي تعودتم عن ما يسميها البعض بـ” الوطنية ”!.

منذ الطفولة وصولاً إلى الكهولة وبطبيعة الحال ما زلت يافعاً ولم تنبت لحيتي كاملاً ، في قريتي التي ترعرت فيها، شاهدت في ثناياها صراعات خيالية تعبر عن معاناة مجتمعها والأفكار الزهيدة التي كان الرواد يتدوالها باستمرار على أنها تخالف الحقيقة، القبلية -في هذا الزمن- تمثل أكبر فكرة يتبنى بها الكبار بين الجيئة والذهاب، ومن الجدير جدا أن تكون أي حركة تنحنى إلى الأمام ببطء منوطة لهذه الفكرة ” القبلية ”… تبا للفكرة ! أظن أنني أشوه صورة الفكر حينما أربطها بهذه العنجيهة، وكانت الوطنية مما يثير انتباه اليقظيين في قريتي، يخوض أهل المدينية صراعاتا مستمرة تتعلق بالأراضي المحيطة بالقرية، وكانت أغلب الصراعات والإحتكاكات التي تغوص القرية متعلقة بحمى القبيلة أو أسباب أخرى!.

على سبيل المثال قد تسبب مشاجرة جانبية -بين رجلين أحدهما من قبيلتنا- بمقتل أحدهما، الأمر الذي يؤدي إلى اندلاع حرب بين القبيلتين، وعلى شجعان القبيلة التأهب ومهاجمة العدو وإبادتهم عن بكرة أبيهم أحيانا، من خلال هذه المراحل الصعبة تنتج الأيدلوجيات المستعصبة على الفهم، زعماء القبلية، وشيوخها المحنكين فقط هم الذين يضعون الخطط، ويلقون الإشادة والتشجيع على دقون الأبطال المزيفين، كنت أتشنج في بعض الأحيان عندما يلقي شيخ من الشيوخ الكبار من القبيلة درسا يتعلق بالحمية!، والدفاع عن الوطن، ويتبادر الى ذهني السؤال، أليس الوطن أكبر من حديثه؟!، لماذا نحن وطنيين في الأوقات العصبية؟!، ذلك الشيخ الكبير الذي تتراقص على إطار جبينه تجاعيد الشيخوخة، وترتسم التضاريس على وجهه بفظاظة، وبصقات يتوهم المرء أن أحد منا بصق على وجه بطريقته الخاصة؛ عندما تتوقف الحرب، و الهجمات لسبب أو دون سبب معين!.

بدأ الجميع يتحدث عن المجد الذي لاقوه في أثناء الهجمات، وأن قبيلتنا تستحق وسام الشرف لأجل قوتها، وتنبثق الوطنية من خلال الأحاديث البطولية، ففي ساعة العودة من الحرب يقول أحد مقاتلي القبيلة الأجلاء متحدثا بزهو :” قبيلتنا مشهورة ومعروفة بضرباتها المبرحة على العدو في وقت المعركة… كان أجدادنا رجالا أوفياء، ومما أخبرونا أنهم ضحوا لنا بأنفسهم وبذلوا مجهوداتهم الجبارة لنجد السلام والوئام الذي نتمتع به في وقتنا الحالي…”!، ألا تعرفون ماذا يقصد ذلك الرجل ويفهمه جميع الحاضرون، من زعماء القبيلة وشيوخها، بكلمة ”الوطنية” التي لم يزالوا بأن يرددونها باستمرار، ألم تلاحظوا يا سادة أن الوطنية في ساعتها لا تحمل لهم معاني كبيرة غير أن المصطلح الوطنية عندهم لا يتضمن مفاهيم أخرى بإستشناء الفخر الباذخ والحديث عن الاحتكاكات التي يخوضونها باستمرار…

الوطنية الخرافية التي كنت أؤمن بها لا تمت بأي صلة بالوطنية التي يعرفها العالم في عصرنا، إلا أنني لم أعرف بعد عن ماذا تدور الوطنية جملة وتفصيلا، وطبعا لا تتعلق “الوطنية” -بمفهومها العام- بالوطنية الخرافية التي كان أجدادي يتبنونها ويبجلونها، لا أستطيع أن أنسى تلك الوطنية التي كانت بمثابة إيمان راسخ لا يتزعزع بسهولة أو ما شابه…

Share This:

عن أبشر عبده أمل

أبشر عبده أمل
طالب جامعي يدرس قسم التجارة والمحاسبات في جامعة نجال، من مدينة لاسعانود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *