الرئيسية » مقالات » من رحم الألَم نُولَدُ من جديد!

من رحم الألَم نُولَدُ من جديد!

لا شك أننا نولَدُ من أرحام أمهاتنا ولدينا تجاه الحياة انطباع طفوليّ وعفويّ، فيتغير هذا الانطباع مع الزمن وحسب الظروف التى يمر بها الفرد، حيث يبدأ باتخاذ أسباب الحيطة والحذر، كما يشير إلينا مفهوم حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : ” لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين”. (صحيح البخاري)

وكما نعلم أن الله كرم الإنسان وفضّله على كثير ممن خلق لقوله تعالى : ” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” 《70 الإسراء 》، لذا فإن الانسان مختلف عن باقي الكائنات ومخلوقات الله الأخرى؛ ذلك بأنه يفكّر ويقرّر، يحلّل ويختار، لأن العقل مناط التكليف، لذلك رفع القلم عن فاقده وناقصه ..

فمثلا عندما يبدأ الطفل الحبو أو الزحف، والانتقال من مكان لآخر بومضة عين، يبدأ بسحب الأشياء التى قد تشكل خطرا على نفسه، أو اللمس بالأجسام الحارة كالمكواة وفناجين القهوة، وتتلقى الأمهات صعوبة بالغة في تلك المرحلة لردعه وبعده عن تلك الأفعال، لكن عندما يلمس الطفل بيده كوبا ساخنا وشعر بالألم نجد أنه يسحب يده بسرعة لشعوره بسخونة الكوب، ويتعلم من هذا تلقائيا دون أي إرشادات أخرى؛ أن هذا الكوب لا يجب أن يضع يده عليه مرة أخرى وإن كان باردا!.

فحرارة التجارب المؤلمة التى تمرّ بك وتحرّّقك تصقل جوهر شخصيتك وتكون لك حافزا على التقدم والإستمرار، وتحررك من قيود اليأس والقنوط، وتعطيك القدر الكافي من المناعة لتقاوم جرثومة الأحداث غير المرغوبة فى حياتك المقبلة، وتشحّن بطارية أملك لتضيء شعلتها من جديد…

المواقف الصعبة وحالات الشدة التى يتعرض بها الانسان وتجعله فى عمق الحزن واليأس وتتراكم الهموم كما الغبار على حياته وتطمس ملامحه حتى تضيق به الدنيا ويوشك على الاستسلام، وظن أن العالم يتوقف عندها، يخرج منها غانما قويا وأشد بأسا من سابق عهده، مستفيدا من خبرات كثيرة، ويعود للدنيا بثوب جديد يتسلل الأمل إلى قلبه وتسطع أنواره ويدرك أخطاءه وسلبياته ويصلح ما ظهر منها وما بطن، ويقوم على اتخاذ ما يلزم من تدابير مع توخي الحذر الشديد، لتجنب أو منع وقوع وتكرار مثل تلك الأحداث، او تقليل خسارتها إن حصلت وتوطين النفس على تحمل خناجر الألم، وتجعله يستمتع ويتلذذ بوقته بعدها، ويسلك مسارا مختلفا ومنهجا مغايرا تجاه تلك الأحداث، ويعلم أن كل ما يواجهه الآن هو خير له فى زمن آخر، وستعلمه قبل مواجهة ما هو أكبر وأنها بداية الطريق وليست نهايته بل هي الدليل الأكبر لمواصلة الطريق.

نحن كعمال القطاع الصحي تعودنا على صرخات وأنين المرضى منذ أن وطئت أقدامنا المستشفى تأقلمنا معها حتى صارت من روتين حياتنا اليومي، ربما تلتقي بأحدهم فى حالة يرثى لها أو تثير الشفقة ولم تؤثر مزاجك ولن ينتابك أي شعور لين نحوه، مما يؤدي إلى المرضى أن يجدوا صعوبة في التواصل معنا وشرح مالديهم من معاناة وشكوى.
فعندما تصيبك بوعكة عارضة صحية حتى وإن كانت خفيفة، تستشعر نفسك وتضعها مكان المريض وتأخذ الإحساس به، وتتعاطف معه، وتتخلى عن المنظور الذي ترى المريض من خلاله لفترة من الوقت، وتحمد الله كثيرا وتتوب إليه بعد ما علمت أنه أنعمك من حيث انت لا تدري وتعيد إلى جادة الصواب لتشكره بها؛ كأن الله أراد منها أن ينزع من قلوبنا القسوة والجفاف ويزرع فيها اللينة والحنان تجاه مرضانا والمحيطين بنا، وتقوية العلاقة بيننا وبينهم وجعلنا نعطي اهتمامنا الأكبر لهم، وأن الألم قد يتحول إلى رحلة أمل، وبداية حقيقية للإنجازات وترميم الأحلام، والبحث عن التحدي والأمل بإشراقة جديدة ملؤها حب الحياة، وتزيدك طاعة وتقربا إلى الله إن رضيت بها…

Share This:

عن أنيسة صلاد عبدي

أنيسة صلاد عبدي
كاتبة صومالية في مقديشو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *