الرئيسية » مقالات » الحوار حول الفيدرالية ..حوار حول (فقه الواقع) و(فقه التنزيل)..وليس حوارا حول (فقه النصوص)

الحوار حول الفيدرالية ..حوار حول (فقه الواقع) و(فقه التنزيل)..وليس حوارا حول (فقه النصوص)

في الأيام الأخيرة اشتد النقاش في (الملتقى الفقهي) حول الفيدرالية في الصومال بوصفها نظام حكم، وتباينت الآراء حول الموضوع ما بين رافض منكر لها أشد الإنكار، ومؤيد لها مرحب، ورافض لها مبدئيا غاض الطرف عنها لعارض الحال في البلاد.

وهذا أمر طبيعي لا إشكال فيه ولا حرج، تعدد وجهات النظر من قبل علماء واكاديميين في موضوع ما ، ولا سيما إذا كان حساسا يؤثر في الواقع المألوف (محمودا كان أو مذموما) تأثيرا كبيرا كموضوع الفيدرالية ، وجديدا أيضا لم يكن للناس به سابق عهد ولا تجربة، إضافة إلى أنه لم يخرج من رحم المجتمع بولادة طبيعية، بل بولادة قيصرية من توليد أطباء مشكوك في نزاهة بعضهم وأمانتهم لأجنبيهم، وفي أهلية بعضهم الآخر واستقلاليتهم ونصحهم
ولكن النقاش تجاوز حدود الحوار المألوف والمعهود بين ثلة علماء وأكاديميين واتخذ أبعادا أخرى أدت إلى النبز بالألقاب واتهام النوايا ، بل إصدار أحكام شرعية على المخالفين في الرأي باعتبارهم نابذين للاحتكام للشريعة الإسلامية، والرضى باتباع الطاغوت .. والنظم والدساتير الوضعية … وهلم جرا.

وهذ المنحى يوحي بأن الخلاف في الموضوع من قبيل الخلاف حول الثوابت الشرعية، والمبادئ الكلية، والنصوص القطعية التي من خالف فيها يستحق مثل هذه الأوصاف، فهل الأمر كذلك؟.

وهل هناك أصلا نصوص شرعية بهذه الدرجة من الثبوت و الدلالة في موضوع نظام الحكم؟ أم إن المسألة برمتها من باب السياسة الشرعية التي تحكمها مبادئ عامة وقواعد كلية مثل : إقامة العدل والقسط بين الناس، وأداء الامانات إلى أهلها ، وتحقيق مبدأ الشورى، والوفاء بالعهود والمواثيق .. الخ ، دون تحديد التفاصيل والأساليب والآليات، التي منها: نظام الحكم الأنسب والأصلح في كل وقت ومصر وحال، مع ترك هذه الآليات مرنة قابلة للتغيير والإحلال وفقا لتطور نظام الحياة وأساليب العيش المجتمعي واختلاف الأزمنة والأحوال، والامكنة، وتراكم التجربة الإنسانية ورصيد المعرفة البشرية في هذا المجال؟

والذي يبدو لي – والله أعلم – أن النقاش يدور حول (فقه الواقع) ، و (فقه التنزيل) ، أكثر مما يدور حول فقه النصوص، فهذه ثلاثة أنواع من الفقه مترابطة ومتلازمة في تكييف القضايا والوقائع والمستجدات في ضوء النصوص الشرعية، وحظ الفقيه النحرير، والعالم الشرعي المتمكن – إن وجد – في ذلك هو نوع واحد (فقه النصوص)، ويشارك في (فقه الواقع ) و(فقه التنزيل) غيره من الخبراء والمختصين وأهل الرأي في المجتمع، والواقع أن حظ الفقيه ومشاركته في هذين النوعين أقل، وخاصة في فقه الواقع بسبب الانقصام النكد الذي حدث بين العلوم الشرعية وواقع الحياة إبان فترة الاستعمار وتجذر في الفترات اللاحقة، التي امتدت لنحو قرنين تقريبا.

أضف إلى ذلك أنه إذا كانت القضايا من الشأن العام (وهو شأن قضايا السياسة ونظام الحكم) فلا ينبغي أن يصدر فيها أحد – مهما كان عالما – براي قاطع، وقول فصل؛ ذلك أنه من العصير إن يحيط الخطوط المتشابكة والمعقدة لأطراف القضية المؤثرة في مناط الحكم فيها، بل سببلها التشاور العام الذي يشارك فيه كل المعنيين وأهل الذكر فيها، وهو ما رسخته التجربة الشورية في العصر الراشدي حتى في المسائل ذات الطابع الخاص.

وخير مثال لذلك : اختلاف نمط تداول السلطة واختيار الخليفة في عصر الخلفاء الراشدين ، وحجم التطور الذي حدث في نظام الحكم وفقا لتطور التجارب، وليس لتطبيق نصوص أضافية لم تكن في العهد النبوي. وقد ترسخت هذه التجربة وتوسعت على نطاق واسع في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله ، وخاصة فيما يتعلق بأنظمة الحكم وهياكل الدولة والجيش، حتى كتبت عن (أوليات الفاروق) رسالة علمية يزيد حجمها عن ستمأية صفحة.
فالحديث عن الفيدرالية في الصومال وأثرها في الوحدة الوطنية… حديث عن ماهية الفيدرالية كنظام حكم، ومزاياه وعيوبه، وأنواعه وانماطه، وعن تجارب الدول التي اعتمدت هذا النظام وهي كثيرة، ومنها دول إسلامية… الخ . وهنا نسمع لرأي المتخصصين في القانون الدستوري والإداري وخبراء السياسة والحكم أكثر مما نسمع لرأي العالم الشرعي وفقيه النصوص الذي لم يضم إلى فقهه فقها آخر في هذه العلوم ولا تجربة مثمرة في هذا المجال؛ لأن هؤلاء ببساطة هم أهل الذكر في هذا المجال.

فهذا جزء من فقه الواقع في المسألة. والجزء الآخر يتعلق بتشخيص حالة الصومال وأمراضها شبه المزمنة التي استعصت على الحل على مدى ثلاثة عقود، لم ينجح فيها الصوماليون – على كثرة ما تتوافر فيهم عوامل الوحدة ومقومات الانسجام من وحدة في الجنس والدين واللغة .. الخ – لم يستطيعوا طيلة هذه الفترة تحقيق استقرار سياسي، ووئام اجتماعي، وإلف روحي، وإقامة نظام حكم يتم فيه بسط العدل الاجتماعي والاقتصادي، وتوزبع الثروة والسلطة على نحو يحظى برضا الجميع، ولم تشفع عوامل الوحدة تلك في هذا الأمر شيئا؛ وبالتالي ما هو نظام الحكم الأنسب لهذه الحالة الفريدة من نوعها، ويضمن – إن تم التوافق عليه – الاستقرار السياسي، والعدل الاجتماعي، والنمو الاقتصادي.

وفي هذا الإطار هل يمكن أن تكون الفيدرالية هذا النظام ؟ سؤال يمكن أن تتعدد للإجابة عنها الآراء وكل يدلي بدلوه فيها مستندا إلى ما عنده من رصيد معرفي ، وخبرة ناضجة، وفقه في السنن الاجتماعية، وإدراك لفقه الموازنة بين المصالح والمفاسد المترتبة على هذا النظام أو ذاك.

وعند هذه النقطة ننتقل تلقائيا إلى (فقه التنزيل) والنظر غالبا إلى المآلات والنتائج على الرغم من صحة المقدمات التي يتم التركيب بينها (وهي هنا الفيدرالية الناجحة في دول أخرى ذات خصائص مختلفة) والواقع الخاص (وهو الصومال هنا).

وهذا التشخيص يشارك فيه الجميع، وخاصة من عايش هذه الأوضاع وتابعها واكتوى بنارها وآثارها، وعمل على الإصلاح في ظلها، وكذلك من تخصص في الدراسات الصومالية وسهر الليالي من أجل التعرف على أبعاد المشكل الصومالي وإيجاد حلول ناجعة له.

وهنأ أيضا ليس للفقيه ما يحتكره، ولا ما يختص به، وليس أكثر حظا من غيره في هذا التشخيص، إن لم يكن أقل مساهمة من غيره، والفقه النافع هنا أكثر من غيره هو فقه السنن الكونية والنواميس الربانية … وقليل من يجيده ويهتم به من العلماء الشرعيين.

ومهما كان الرأي في هذا في هذا الأمر معارضا أو مؤيدا، ومهما كانت قناعة صاحبه واعتداده به ، ومهما كانت حججه في نظره قوية، فلا يعدو كونه رأيا في تقدير المصالح والمفاسد والموازنة بينهما ، فلا ينبغي الشطط بالأمر أكثر من ذلك حتى لا تكون النتائج عكسية، وحتى لا يؤدي النقاش إلى نقيض المقصود.

والخلاصة: إن الحوار الذي دار – ولا يزال – حول الفيدرالية في الملتقى حوار حول (فقه الواقع)
و (فقه التنزيل) لا حول ( فقه النصوص).

ملحوظات ختامية:

١. مقالتي هذه ليس هدفها الانتصار للفيدرالية في الصومال ، وإنما المقصود من المقالة تسديد منهجية الحوار وتأصيله ، حتى يحقق أهدافه المنشودة ويرسخ مشروع التعاون العلمي والفكري الذي يضطلع به (الملتقى) المبارك إن شاء الله جزى الله القائمين عليه والمساهمين فيه خير جزاء.

وللمعلومية: لست من المتحمسين للفيدرالية الداعين اليها، ولا من المتحاملين عليها ظلما ؛ لأن ما يجري في الصومال الآن في تقديري ليست فيدرالية وفقا للدستور الذي ينص عليها ، وإنما اقتبس منه الاسم، ثم تم تمرير مشاريع أخرى باسم الفيدرالية، وكم من دماء سفكت باسم الحرية والعدالة والمساواة، ولعله أقرب إلى تشويه الفيدرالية منه إلى تطبيق الفيدرالية فلنتحاش من ظلم الفيدرالية نفسها. ولنا تجارب سابقة في رفع راية الديمقراطية ثم تشويهها ، ورفع راية تطبيق الشريعة ثم تشويهها.

٢. قصدا تعمدت عدم ذكر النصوص في المقالة لسببين:

الاولى: أن المخاطبين بها من السادة العلماء الذين تغنيهم عن الإشارة عن التصريح.

والثانية: حتى أدلي برأيي في الموضوع ولا اكسبه قدسية بحشر النصوص فيه، ليتمكن من يريد رفضه أو انتقاده من ذلك دون تحرج أو تهيب.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل

Share This:

عن د.محمد حاج

د.محمد حاج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *