الرئيسية » مقالات » اللغة الصومالية تموت وحيدة!!

اللغة الصومالية تموت وحيدة!!

تمهيد

من المتعارف عليه أن اللغة بشكل عام هي من أهم مميزات الإنسان، تلك هي وسيلة وحيدة التي تعبر الإنسان بمشاعره، وفي نفس الوقت تكون مرآة لمجتمع ما، وتعمل في صيغ التفاهم بمنطق اللفظي في الأخذ والعطاء في مجتمعات الإنسانية، فاللغة الصومالية من أهم اللغات التي يتكلم بها مجتمعات القرن الأفريقي وهي لغة رسمية في جمهورية الصومال وجمهورية صوماللاند، فتنتمي اللغة الصومالية إلى اللغات الأفروآسيوية_ الكوشية، كما توجد بعض اللهجات التي يتكلمها الصوماليون، فمثلاً تختلف اللهجة التي يتكلم بها الشماليون (صوماليلاند)عن اللهجة التي يتكلم بها الجنوبيون، ويعود ذلك إلى اختلاف أصول الصوماليين، وتكثر الكلمات العربية والهندية في جنوب الصومال، أما في شمال الصومال (صوماللاند) فتكثر الكلمات العربية والإنجليزية، إلا أن تقلبات الوقت والاستعمار الذي جاء إلى البلاد قد أحدث كثير من التحديات في اللغة الصومالية…

كتابة اللغة الصومالية 1972م:

لم تكن اللغة الصومالية مدونة رسميا في المجتمع الصومالى، بيد أن المتعلمين والمثقفين ورجال الأعمال قد اعتادوا بكتابة الصومالية بالحروف العربية، فجاءت فكرة تدوين اللغة الصومالية في عهد الاستعمار، فحدث سجالا بين أطراف المجتمع بأي حروف تكتب باللغة الصومالية؟

فاتفق الصوماليون ألا يتفقوا على رسم معين لكتابة لغتهم! ولم يستقر الرأي على اتخاذ حروف معينة بالتدوين، إلا أن هناك تيارات قوية تتصارع في هذه القضية، فكلا من هذه التيارات لها مصلحة خاصة! فالبعض ينادي بكتابتها بالأحرف العربية، وبعض آخر ينادي بكتابتها بالأحرف العثمانية التى تنسب إلى مبتكرها (عثمان يوسف كنديد) وهي مشبته إلى الحروف الأمهرية، كما أن هنالك تيارا أخرى ينادي بكتابتها بالحروف اللاتينية، ثم حدث ما حدث! فشكلت الحكومة الصومالية المدنية في عام 1961م اللجنة اللغوية التى تبحث مشكلة التنافس في هذه الفئات، فقامت اللجنة بتحليل النتائج والحلول ثم التوصيات للحكومة، فيعرض الموضوع على الجمعية الوطنية لاتخاذ قرار نهائي في هذا الأمر، ولكن سرعان ماحدث إخفاق وفشلت هذه المحاوله وكتبت اللغة الصومالية بحروف العربية كما كانت… لأن تيارات العربية لها أنصار، كما أن أصحاب اللاتينية لها أنصار للكتابة الصومالية بالحروف اللاتينة أو العثمانية، أضف إلى ذلك هناك فريق آخر ينادي باتخاذ العربية لغة رسمية للبلاد.

لقد كانت من أعظم منجزات في الكتابة الصومالية بعد حدوث ثورة أكتوبر عام 1969م، جاء ذلك القرار الذي سار مفعولا يقضى بكتابة اللغة الصومالية، فأعلن مجلس الأعلى للثورة 21 أكتوبر 1972م باختيار الأبجدية اللاتينية كحروف رسمية لكتابة اللغة الصومالية،

فاستقبل الصوماليون بحماس كبير، ثم عملوا خطوات العملية لتسيير تعلم اللغة الصومالية المكتوبة، وتمكين موظفي الحكومة والجمهور في اقصر وقت ممكن في تعلم كتابة لغتهم، وهكذا تمت المناقشات الطويلة العقيمة التى ظلت تدور حول هذا الموضوع ما يقارب تسعين عاما.

واقع اللغة الصومالية

في الوقت الذي كانت الحكومة العسكرية تمتلك زمام الحكم في الصومال كانت اللغة الصومالية اللغة الرسمية للبلاد بل حتى موظفي الحكومة يعملون بها، فكانت لغة التعليم للبلاد كلها من الإبتدائية إلى التعليم العالى، يخاطبون ويدرسون ثم يتفاخرون! لأن هوية كل أمة تسعي إلى ارتفاع قوميتها وأيدلوجيتها.. فصار المجتمع الصومالى آنذك مجتمعا رهينا إلى لغتهم الأم (الصومالية)، إلى أجل!

فالأمور تسير إلى التطور وطباعة الكتب والمجلات وصدور القرارات الدولية باللغة الصومالية، كما كانتا وزارتي التعليم العالى والبحث العلمي من جانب وزارة الإعلام القومي في آنذاك لهما دور هام في بناء وتطوير اللغة الصومالية، مدونين بكل الأوراق العلمية ويقدمونها في المجتمع…

فسرعان ما سقطت الحكومة الصومالية، واللغة الصومالية باتت بالانحسار، وانهارت المؤسسات التعليمية التي تطورها، والمجتمع الذي يرغبها انسحب من هويتها، ولم ترجع الأمور كما كانت إلى الآن، بل سارت أصعب وأجف ما كانت من قبل، وجفت الصحف الصومالية التى تهتم اللغة، ورفعت أقلامها!

ويعطي الواقع لنا تجاه لغتنا الصومالية بأنها تتجه نحو السقوط، بمعنى ذلك أن الصوماليين اليوم هم يتبعون ويمارسون لغة قوم آخر، بل يتعلمون ويدرسون وكذلك يفتخرون لغتا ليس لغتهم مثل الإنجليزية والعربية! فحصول بعض المشاكل الداخلية والحروب الأهلية التى تحدث بين مجتمعاتنا سبب من قلة إهتمام لغتنا الصومالية وفلسفتنا الاجتماعية.

بين المتعلم الصومالي واللغة الصومالية:

إن العناية والاهتمام بالأجيال الصومالية الناشئة والتفكير في تطويرها هي أكبر التحديات في هذا العصر، وذلك التحدي يظهر بواسطته اللغة الأجنبية، وهو عمل على إقامة التعليم على نهج علمي سليم وقويم، لتحقيق ارتباطه بالمجتمع الصومالى.
فبناء الأجيال الناشئة هو استدامة تطور الحياة واستخلافهم في التعمير والتحضير، وتنوير مستقبلهم نحو الأمل، وتحريك سلوكهم نحو الأفضل… إذ يمكننا أن نحرص على إعداد عقولهم لمواكبة مسيرة التطور مهما كانت ظروف البلاد، ونبني مهامهم على فلسفة المجتمع التى تلعب دورا فعالا في بنائهم حيث يعتبر دورها أساسا مكملا في تربية أبناء المستقبل باستخدام لغتهم الأم..

فالتخلف الذي طرأ على المتعلم الصومالى هو أساس المشكلة في تخلف المجتمع كله، لأن تقديم المعارف باللغة الصومالية هو أساس التقدم في المجتمعات الصومالية على مر العصور، فمشكلة الغلو والتعامل باللغة الأجنبية بين المجتمعات الصومالية أدت إلى فقدان كثير من المجتمع لهويتهم القومية والتى تسبب إلى انعدام تاريخ لغتنا، فيكون الناتج إلى تخريج أجيال يجهلون كثيراً من لغتهم وثقافتهم وعاداتهم وكثيراً من تاريخ وطنهم…

ويؤسفنى جدا أن أجد في المجتمع الصومالى خاصة المتعلمين الذي لا يقدرون كتابة لغتهم الصومالية، ولا يفهمون معظم كلماتها، أليس هذا أمرا حزينا!.

فالمتعلم الصومالى يعتقد أن اللغة الصومالية ليست لغة التقدم والتطور، فيفتخر أن يتكلم بلغات أجنبية مثل العربية والإنجليزية!

ولكن المسألة، إذا كان اللغة العربية والإنجليزية هما لغتا التطور، فلماذا لم تكن الصومالية لغة التطور؟

فالجواب، أن الإنجليزين والعرب هم طوروا لغتهم ويرون أنها لغة العالم، ولكن الصوماليين يرون لغتهم الصومالية أنها لغة الضعف والمجاعة!

وخلاصة الكلام: أدعوا على أبناء الصومال شعبا وحكومتا الى الإعتماد على لغتهم الصومالية، وأن يرجعوا دورها ويعلمون بها في المدارس الأهلية والحكومية، فالمسؤلون الصوماليون لابد أن يخاطبوا في المؤتمرات باللغة الصومالية ولا بد أن تصدر القرارات الحكومية كذلك، كما هو واجب على رجال الأعمال الحرص باستخدام اللغة الصومالية.

Share This:

عن حسن عبد الرزاق عبد الله

حسن عبد الرزاق عبد الله
كاتب وباحث صومالي يحضر الدكتوراة في التربية - جامعة بخت الرضا- السودان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *