الرئيسية » مقالات » أحكام بين دفتي ورق!

أحكام بين دفتي ورق!

تختلف النظم المتبعة في التدريس بين مؤسسة وأخرى على حسب المنهج التربوي الذي تتبعه وتتأثر كذلك على ثقافة البلد المعين ، وهذا ما يعطي إنطباعا وصورة واضحة حول تلكم التعليم ودرجة كفائتها ومستوى منافستها للنظم التعليمة العالمية .

فمجال التربية والثقافة في المؤسسات التعليمية هو موضوع واسع طولا وعرضا ولا يقل قدره عن أي موضوع آخر في المجتمع ، فبإهتمامه ورعايته هو حياة المجتمع وإزدهاره ونمو قدراته العلمية والتربوية في مختلف فصائل هذا المجتمع ، وإعطائه الأهمية القصوى من الضروريات والتي لايمكن الإغتناء عنها .

هناك ثقافة تربوية شائعة في غالبية مجتمعاتنا والتي تمس واقع الطلاب وكيفية تعاملهم في داخل المؤسسات التعلمية في جميع مراحلها المتسلسلة إبتداءا من مدرسة تعلم القرآن الكريم وإنتهاءا إلى مراحل العليا الجامعية ؛ فهي مبنية على ممارسات وأحكام تعتمد على الإمتحانات والنتائج دون الرجوع إلى آليات أخرى تبنى على قياس وتقييم معرفة الطالب .

فهذه الثقافة تتعامل مع الطالب كآلة حاسوبية يخزن الكثير من المعلومات ويسجل الملاحظات ، ثم يسترجعها في الوقت الذي أتت الحاجة الماسة إليه ويحتاجها المستخدم “المعلم ” كأوقات الإختبارات او الإمتحانات ، فهو إن لم يستوفي تنفيذ هذه الأوامر ولم يتمكن من قراءة أو كتابة تلك التسجيلات الكتابية فهو معطل مثل آلة حاسوبية لم تتمكن من آداء ومعالجة العمليات المعقدة .

وأهم عنصر معروف في هذه الثقافة هي أوراق الإمتحانات ، وهي التي تحدد معرفة الطالب وثقافته الكاملة ، فكل من يكتب ويملئ أسطر هذه الأوراق ويكتب الكلمات والعبارات كما كانت في أسطر كتاب الدرس ؛ يعتبر من الفائزين والناجحين وذوي الكفاءات .

وأما البقية ؛ والذين لم يجيبوا الأسئلة بصورة كاملة ؛ وضعفت ذاكرتهم ولم تستحضرها أذهانهم ؛ وحازوا درجات ونقاط أقل من البقية فهم الساقطون او قليلوا المعرفة ؛ ومراتبهم التعلمية منخفضة وربما ينعتهم أهلهم وأصحابهم بأنهم جاهلون أحيانا وتكون معيبة الدهر لاتغيب عنهم .

إذا تلك أحكام تلقيها المؤسسات التعلمية وتوزعها على طلابها على حد سواء ؛ فهي مجرد أحكام واهية لاتستند إلى مرجعية تربوية صحيحة ، لأنه لايمكن أن يتم الإقتصار على مجرد أوراق إمتحانات فقط في تحديد شخصية إنسان كامل بعلمه وثقافته ومعرفته الواسعة وطويلة الأمد ، فالطالب في نظرهم إما ناجح او فاشل إستنادا لنقاط الإمتحان. فهذه نظرة لاتعطي الصورة الحقيقية عن طبيعة الإنسان ومستواه العلمي .

وهذا النموذج الذي أخذنا صورة مختصرة عنه ، شائع في اغلب المؤسسات والأنظمة التعلمية في عالمنا اليوم ، فهو نظام تقليدي يتسبب في إبعاد الكفاءات ، والفئات المبدعة في المجتمعات ، وتكثر أعداد الحفاظ والإنسان الآلي الذي يحفظ الدروس ويقرئها مثل الأدعية والترانيم .

فهناك دول تجاوزت هذه الثقافة التربوية التقليدية ، وبدأت تطبق مفاهيم جديدة وأكثر واقعية وملائمة في شخصية الإنسان وإبداعاته وظروفه الفردية . فمثلا الدنمارك تعتبر من أحسن دول العالم في مجال التربية والتعليم ؛ فهي قطعت شوطا كبيرا في كيفية تطوير نظم المناهج والثقافة التربوية لدى المؤسسات التعلمية . فهم لم يحسنوا فكرة اوراق الإمتحانات فقط ؛ بل وأضافوا طرقا مبتكرة لإستخراج مكامن الطلاب منذ نعومة أظفارهم من سن الروضة ؛ فبرامج الحدائق والفصول المفتوحة في الهواء الطلق والطبيعة كانت من أبرز محطات الدنمارك لتحسين مجالها التعلمية .

وكذلك تحويل الفصول إلى بيئة تلائم وتناغم شخصيات الطلاب وأعمارهم ؛ وتدريبهم على النقاش وإبداء الآراء وإتخاذ القرارات ، وما إلى ذلك .. فهو تطور وخطوات نحو الأمام وتستحق الإقتداء بهاوالأخذ منها .

وأخيرا ؛ أرى الظلم او التقصير في حق الطلاب ، مادامت المدارس والجامعات تتبنى منهج التحكيم على الطلاب بين دفتي أوراق ، لاترتقى إلى مستوى التفرقة الصحيحة بين متعلم وغيره ، فالقضية أبعد من ذلك. فمثلا هناك فرصة نجاح شخص ضعيف المعرفة والفهم ، وربما يتأخر المتعلم والفاهم في الإمتحانات .. فمازال الطريق نحو تغيير هذه المفاهيم طويل ولكن تجربته والتحول من الطريقة القديمة يفيد أكثر مما يضر ، وبل هو فائدة مجتمعية .

Share This:

عن محمد الساعدي

محمد الساعدي
أستاذ أكاديمي وكاتب في بيدوا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *