الرئيسية » مقالات » علاقة الإبداع بالجامعات

علاقة الإبداع بالجامعات

يعتقد غالبية كبيرة من الشباب الذين يرون الجامعات كمصدر معرفي أن ثمة علاقة وطيدة كعلاقة القلم بالقرطاس بين الإبداع والجامعات، وأن كل مسطر بين دفتي كتاب ما لا يمكن دراسته دراسة فهم تترسخ في ذهن الإنسان إلا بين جدراني الفصل الجامعي، وما جاء من غير تلك النادفة فهو إما إبداع من غير مبدع أو إبداع بنفثات جامعية كامنة منتسبة إلى أسرته ربما من أب خريج من الجامعات السعودية التي كانت تحتضن الآباء في الثمانيات حتى التسعينيات.

 الإبداع إنتاح يتولد من مداد القلم لينتسب إلى صاحبه بغض النظر عن تخرجه من الجامعة وعدمه وبالتالي فكرة الجامعة لا تغير من الإنتاج شيئا ولا تسلب الهوية من لإبداع، الإبداع يبتدأ من جهد فردي متواصل في مجال ما من مجالات الحياة وتنمية بشرية تجتاح الصعاب نحو تحقيق هواية تشتعل في خاطر الفرد الذي يريد أن يترك بصمة في عالم الإبداع.

 الجهد اليومي الفردي لكل واحد منا هو الذي يطيح كل الجهود التي يتم بذلها في السنوات الأربع على كراسي الجامعة من حيث الثمرة وإثبات وطئة قدم في عالم الإبداع الذي يتغنى به العالم بأسره وخاصة الجيل الذي يعتنى المعرفة كنوع أساسي في حياة الإنسان.

 الإبداع لا يعرف الأشخاص ولا يعرف التوقيت ولا اي درجة علمية حزتها من الجامعات حتى تضع القلم على الورق لتكتب شيئا من الإبداع الذي يجول في خاطرك وبالتالي باستطاعة أي مبدع إنجازه بعض النظر عن عدد الشهادات التي يحملها بحقيبته ولا عدد السنوات التي أمضاها في دراسة كليات الآداب التي ليس بطاقتها إنتاج إبداع بحِدتها دون التنسيق مع جهد الإنسان الذاتي وتنميته المعرفية.

 الجامعات لا تحدد المستوى:

من السائد في الدول العربية والإسلامية أن يتم عقد جلسة مقابلة إختبارية لأي متقدم لإلتحاق أي جامعة إسلامية في إحدى كلياتها لتحديد مستوى الطالب الذي يجب أن ينطلق منه لكي ينسجم مع المادة التي يتلقاها من المحاضر في الكلية التي يفضل الدراسة فيها وغالبا ما تكون تلك الإختبارات شفوية أو تحريرية أو كليهما معا، هذا الإختبار إما أن يحول بين الطالب وبين دراسته في تلك الجامعة التي تعتمد على نتيجة هذا الإختبار لإجتيازه وضمه إلى أترابه في تلك الكلية أو رده على أساس ضعف المستوى وعدم تأهله في الإلتحاقها، لكنه يتم من خلال إستجواب مصطلحات هلامية محفوظة منذ أيام الثانوية نتيجة التكرار على ذهن الطالب ربما من غير قصد لاستيعابها وضبطها ومن غير قصد التخزين والترسيخ في ذاكرة ذاك الباحث عن المعرفة، ومن غير المستبعد أن يجتاز بمجرد إملاء تلك المصطلحات على لجنة المقابلة (لجنة القبول والتسجيل) كخلفية أساسية معرفية في تلك في المادة أو ذاك التخصص، وهذا ما يفرض سؤالا جوهريا وهو لماذا نسبة الإبداع إلى الجامعات؟ وبأي حق؟.

 خارج أسوار الجامعة:

 دعنا نذهب إلى خارج عرصات الجامعة حيث تجتمع فيه شرائح من دراسي الجامعات من الشّبان في الجلسات المسائية والملاهي الليلة لنكتشف كمية العلاقة بين تلك الفتية وتخصصاتهم، من المعتاد في مثل هذه الجلسات أن يتجلى لفضول نظرات عينك عناوين كتب تحملها أكف الرفقاء الذين تضمهم تلك المجالس غالبا للمطالعة والتنقل ما بين دفتيها خارج ضجيج الجامعة وأعباء واجباتها، والتنزه في القراءة بدل التنزه عنها في مجالات شتى نظرا لهواية كلٌ على حِده، لكن اللافت للنظر أن تلك الكتب التي دائما ما يصطحبونها لا تمت لتخصصاتهم بصلة في غالب الأحوال، وكل يسبح في قالب مغاير لما يدرس في كليته أو تخصصه، ولما كانت المطالعة نوعا من التعلم والتبحر واستزادة المعلومات والمعارف فلماذا الهجر والهروب عن موطئ القدم في الجامعة؟ وما هي سر نكهة القراءة والمطالعة في مجالات غير التخصص؟ تلك هي السؤلة التي جالت في ذهني مرارا.

ما هي الأسباب؟!:

بعد التفكير في الأمر والبحث عن أسباب مقنعة ظهر لي أن الدافع يعود لأمرين:

– عدم ملكية القرار في اختيار التخصص المناسب الذي يدرس فيه الطالب في بداية الأمر وأن القرار الرسمي في يد أولياء الأمور لتلك الفتية بدوافع مالية أو فكرية، وبالتالي لا يتم ممارسة هواية الطالب في اختبار التخصص إلا بالتنسيق مع الوالد أو من يقوم مقامه وهذا ما دفع أي طالب إلى الرياد في مجال مختلف عن تخصصه ولهذا بات مضطرا للشيح بوقته الثمين وعدم بذله فيما لا يتنشط له كثيرا.

 – عدم دراسة ماهيات التخصص بما يكفي واختيار عشوائي لا يصدر عن بحث شامل لتفاصيل هوية التخصص حتى لا يتوافر عند الطالب معطيات كافية عن الكلية، وعدم إعطاء أهمية كبيرة للإختيار المناسب هو ما يساهم في التخبط الدراسي لطلبة الجامعات وهو ما أدى هو الآخر في نظري إلى تباين الإنسجام بين التخصصات وبين دارسيها كطيش السهم الدي لم ينطلق من وتر القوس مباشرة ووجه الشبه بينهما جلي للمتأمل

 لماذا كل هذا الإجحاف؟

 من الإجحاف القاتل في حق التعليم الذاتي والتثقيف الفردي والجهودات ما قبل إلتحاق ركب الجامعة عند النقاشات مع دارسي الجامعات نسبة جميع المعارف إلى السنوات الأربع التي قضاها على كراسي الجامعة كمعلومة محصولة من خلال نافدتها، مع العلم أن أشهر طريقة لدراسة العلوم الشرعية بدء من الخلوات القرانية قبل التعليم النظامي كانت التقلى من فم المشائخ في حلقات المساجد التي كانت تعتبر ولا زالت وإن نزرت أولى مراكز التعليم في صدر الإسلام وفي الأحقب الوسطى من انتشار الإسلام، وهذا سلب هوية المعرفة وفتق غلافها، وإعطاء حق لمستحقه، وتنكر الوجه للطريقة التي كانت الأجيال تدرس علوم دينها في سالف الدهر، ومن يرغب ضرب المثل لذالك فكبار علماء المسلمين اليوم خير دليل على ذالك، نعم لست أنكر إمكانية زيادة إضافيات الجامعة في بعض المجالات لكن هذا لا شيء في مقابلة التثقيف الفردي نظراً للوقت الذي يتم إمضائه على كراسي الجامعة وبدون لهفة على ذهابه.

مثال للعظماء:

أحمد محرم الشاعر المصري المولود سنة 1294هـ وانتقل مع أَسرِته فنشأ كما ينشأ أبناء الأرياف محاطاً بعناية والديه، ودخل محرم المدرسة (الكتاب). ولم يطل به المقام بها إذ ضجر منها ومن أساليب التعليم فيها، فصار إلى مكتبة أبيه في منزله وكان أبوه حكيماً يعرف ميول ابنه ورغباته فأقبل على جمع الكتب لتكون في متناول ابنه.

أما أمه فقد ضاقت ذرعاَ بصنيع ابنها ولامته على انصرافه إلى الكتب وانكبابه على القراءة في النهار والليل فنظم على لسانها أبياتاَ قال فيها:(1):

أبنيَّ ما في الشعر نفعٌ يُطلَبُ ** فارفُقْ بنفسكَ كم تكدَُ وتتعبُ
أبنيَّ إنَّ المرءَ يُغني نفسَهُ ** فيعيشُ في الأهلينَ وهو محبَّبُ

وأراكَ في شَرْخِ الشّبابِ ورَوْقِهِ ** يَغذوكَ والِدُكَ الكبييرُ الأشْيَبُ
يسعى وأنتَ مع البناتِ كبَعْضِها ** ثاوٍ, وليتكَ مثلهن فتُخطَبُ
لا مالَ تكسِبُهُ, ولستَ ببارحٍ ** تُفني وتُتلِفُ جاهداً ما يكسِبُ
تَدَعُ السِّراجَ فلست تطفِئ نورَهُ ** حتى ترى أُخرى النجومِ تُغَيَّبُ
أيُباعُ هذا الشعر؟ أم أنت امرؤء ** تهوى من الأشياءِ ما يُتَجَنَّبُ؟

والابن المتحامل على نفسه يأسى لما يسمع، وقد أحسَّهُ في وجدانه قبل أن يقال، ولكنه يضطر إلى المخالفة الظاهرية ليثبت أن له أرَباً قد لا تصل إلى مغزاه أمٌّ ريفية ساذجةٌ فيقول:

أمّاهُ أكثرتِ الملامَ فأجمِلي ** إن كان ذنبٌ فالقضاءُ المذنِبُ
أمّاهُ, لولا الشعرُ أنظِمُ دُرَّهُ ** ما كان لي هذا الثناءُ الطيِّبُ
أماه ما أمرُ الغنى بيدِ الفتى ** لكنما يعطي القضاء ويسلُبُ (2).

فأصبح من أشهر شعراء مدرسة البعث والإحياء في الشعر العربي والتي كان من دعاتها محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وأحمد نسيم حيث جددوا الصياغة الشعرية بعد تدهورها في العصر العثماني.

المصادر:

1- المصدر:http://www.startimes.com/f.aspx?t=8566355

2- المصدر: http://alqudslana.com/index.php?action=article&id=1463

 

Share This:

عن محمد عبد الرحمن شيخ

محمد عبد الرحمن شيخ
شاعر صومالي في قاريسا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *