الرئيسية » مقالات » شراء البيوت عن طريق القرض الربوي!

شراء البيوت عن طريق القرض الربوي!

لا أريد الخوض في الجدال الدائر بين بعض الدعاة وأئمة المساجد الصومالية في المهجر حول شراء البيوت وما صاحبها من جدال وتراشقات وخروجه في كثير من الأحيان عن الموضوعية والرصانة والبحث العلمي وتحوله إلى الشخصنة واتهام غير مهني وغير مقبولمما يُنبي عن خلل في فهم مغزى الحوار والنقاش العلمي الرصين الذي يتعامل القضايا بالموضوعية والمنهجية، ويقوم بتحرير موضع الخلاف مع حماية جانب الأخوةوالحب الشرعي مع عدم التطرق إلى الشأن الخاص للمتحاورين أو المختلفين .

وأكبر مشكلة يعاني منها الكادر الدعوي الصومالي يتمثل في ندرة  وجود باحثين شرعيين يجمعون بين الرصيد العلمي المعتبر واتقان البحث الأكاديمي المحقق ،مما جعلهم عالة على الآخرين  ، ودورهم يكاد ينحصر في ترجمة وتوصيل الجالية عما يفتيه ويقرره غيرهم .

ومسألة شراء البيوت عن طريق القرض الربوي مسألة شائكة لا يمكن لشخص واحد أن يقول كلمته فيها ويصدر حكما عاما للجميع من دون تمحيص وتحقيق ، بل تحتاج إلى تضافر جهود المتخصصين في هذا الميدان .

ومن الأخطاء الشائعة في هذه المسألة هو القفز إلى العموميات من نصوص الوحيين في الكتاب والسنة الدالة على تحريم الربا ومحاولة تنزيلها على مسألة خاصة لها ظروفها المعتبرةمن غير تحرير موقع الخلاف ومعرفة حيثياته وملابساته بشكل صحيح بعيدا عن كل ما يسئ إلى نصاعة ووجاهة البحث العلمي الرصين ، لأن الباحث الشرعي إذا استنفذ جميع متطلبات المنهج البحثي وتفادى الأخطاء وراجع المصادر الأصلية ولم يعتمد على المراجع الثانوية يصبح معذورا عند أهل هذا الشأن ولو كانت النتائج التي توصل إليها غير موفقة.

والأنكى من ذلك هو محاولة البعض استخدام أسلوب العاطفة وتهييج الجمهور في مناقشة المسائل العلمية من أجل تشويه صورة المخالف واتهامه بما هو بريء منه وتصويره كمن يريد مخالفة الشرع ومجاوزة الحدود .

لا أريد أن أتحدث عن حكم هذه المسألة في حلها أو في حرمتها ، لأني لست أهلا لها ولا أملك الأدوات الشرعية التي تمكنني من ولوج هذا المرتقى الصعب ، ولا ادعي بفروسية لا وجود لها أو التظاهر بعبقرية لاأساس  لها من أجلتسجيل موقف أمام العامة أو ارضائهم على حساب الدين والخلق، نعوذ بالله من الخذلان .

والباعث من تسطير هذه الكلماتينحصر في إشارة أمور وتساؤلات كثيرة يجب الإجابة عليها قبل اصدار الحكم الشرعي في شراء البيوت عن طريق القرض الربوي سلبا أو ايجابا أو جوازا أو حرمة ، ثم البناء على ضوء النتائج التي تتمخض منها .

ومن هذه الاستفسارات والتساؤلات التالي :

  • أصحيح أن كل من قال بجواز شراء البيوت من باب الضرورة بأنه يشرعنبجواز التعامل بالربا؟ .
  • ما هو التعريف الحقيقي للضرورة ،ومقدارها ، ومجالاتها ومن يقدرها؟.
  • هل الفتوي في هذا البابفتوى جماعية أم هي خاصة لأفراد معدودين؟.
  • هل الاتهام الموجه إلى العلماء الذين أفتوا بجواز شراء البيوت من الجاليات المسلمة الأخرى لا يقيمون وزنا للنصوص للشرعية، وهل عمل الأفراد ينسحب على الجميع ويؤاخذون عليهم؟ .
  • أصحيح بأن جميع عائلات الجالية الصومالية في المهجر بحاجة إلى هذه المعاملة؟ .
  • هل هناك دراسة أو إحصائية تبين بأن انتقال الأسرة الصومالية من العيش في الأحياء الفقيرة إلى الراقية تحميها من تَسيب أبناءها من التعليم وتحميهم من انضمامهم إلى عصابات الجريمة المنظمة؟ .
  • هل المعاملات التي حرمتها الشريعة من قبيل التعامل بالربا وبيغ الغرر والجهالة وغيرها من العقود والمعاملات المحرمة أو التي أبيحت بالضرورة يشتركون في أسباب التحريم والتحليل أم كل معاملة لها ظروفها الخاصة بها؟.
  • ماذا سيكون حال وضع العقد إذا زالت الضرورة ، هل يستمر أم يجب فسخه؟ .
  • أصحيح بأن جميع الأسر الصومالية في المهجر لا يملكون شيئا ويندرجون تحت قائمة الفقراء والمحتاجين؟.
  • كم عدد الأفراد والأسر الذين يستطيعون تلبية جميع متطلبات عقود البيع والشراء التي تشترطها البنوك وشركات العقارات من أجل اتمام الصفقات مثل عقود العمل طويلة الأجل (الدائمة) التي تضمن لهم بعدم توقف تسديد الرسوم المستحقة لها  واستمراريتها مدة المتفق عليها؟.
  • هل هناك بدائل أخرى يمكن اللجوء إليها بدل التعاطي بهذه المعاملة؟.
  • ما أثر الشرط الفاسد على وضع العقود والمعاملات بجميع أصنافها وأحوالها ؟ .

هذا التساؤلات وغيرها لها علاقة مباشرة لموضوع شراء البيوت بشكل عام، والبعض الآخر تختص بها الجالية الصومالية، وإن كان المسلمون في الغرب يشتركون في مسائل كثيرة ، ولكن لكل جالية لها خصوصيتها التي تتميز بها عن غيرها في باب التعليم والتوظيف والتجارة والتماسك العائلي والاجتماعي وغير ذلك من الفروق ، فمن أراد أنيصدر حكما شرعيا في مسألة لها علاقة بحياة الناس يجب عليه أن يعرف أولاأوضاعهم المعيشية وأحوالهم الاقتصادية حتى لا تضيع منه البوصلة .

هناك ملاحظة ومعلومة مهمة يجب عدم التغافل عنها عند التعاطي بهذه المسألة المهمة ، وهي مسألة قد يعتبرها  البعض بأنها من خصوصيات الجالية وأسرارها التي لا يجوز البوح بها ، ولكن عندما نريد مناقشة مسألة شرعية يجب علينا فتح كل الملفات والجوانب التي لها صلة بالموضوع حتى نتوصل إلى حل شرعي وإلا سنضيع في متاهات لا أول لها ولا آخر ولا تحقق لنا شيئا .

وهذه المسألة هي  : أن معظم الأسر والأفراد من الجالية الصومالية في المهجر يملكون بيوتا وعقارات في بلد الأم أو في أماكن أخرى  أو يساهمون في شركات تجارية كثيرة في أماكن متفرقة من العالم .

وهنا يبرز سؤال مهم جدا يجب الإجابة عليه بكل شفافية وصدق، ويكون سببا لحل كثير من مشاكل السكن الموجودة لدينا ، وهذا التساؤل يقول : لماذا لا يقومون ببيع هذه العقارات من أجل شراء وتملك بيوت في أماكن إقامتهم حتي يتسنى لهم ايجاد جو هادى ومريح لأنفسهم ولأولادهم ، بدل التباكي على أمور لا حقيقة لها ، فاذا استنفذوا بما في جعبتهم فليبحثوا بعد ذلك عن حل جدري لظروفهم وفق الأحكام المرعية في الشرع .

قلت: إثارة هذه المسألة ومناقشتها بشكل رسمي وعلني ومصارحة الجالية بهذه الحقيقيةواجب ديني وأخلاقي وإلا سنكون مذرفيندموع التماسيح من دون نتيجة يذكر .

وأخيرا هذه المسألة تحتاج إلى بحث جدري وعميق، يشترك فيها كل من يملك رصيدا شرعيا وعنده مقدرة في البحث والغور في ثنايا كتب الفقه والفتوى  مع الاستعانة بخبراء الاقتصاد والتمويل وكيفية عمل شركات العقارات، وذلك بعد اجراء مسح شامل لأوضاع الجالية الصومالية في المهجر ومعرفةأوضاعها الاقتصادية والمعيشية وحجم المخاطر التي تواجهها اذا لم تجد سكنا ملائما لها يحميها من خطر التفكك والتشردم وضياع الأولاد ، وإلا ستقبى في تيه وعدم استقرار نفسي وأسري لا نهاية له ، كما أحذر من مغبة الانتصار لرأي دون آخر من أجل موافقة أو مؤازرة للمدرسة الفكرية التي ينتمي إليها من يريد أن يبدي رأيه فيها ، لأن المسائل الفقهية لا تتعامل مع العواطف والتوافق الفكري بل تولي اهتماما بملائمة النصوص الشرعية وتطابقها بالمناط الذي استدل بها.

وفق الله تعالى الجميع بما فيه صلاح ديننا ودنيانا .

Share This:

عن د.عبد الباسط شيخ إبراهيم

د.عبد الباسط شيخ إبراهيم
كاتب مهتم بالشؤون الفكرية والدعوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *