الرئيسية » مقالات » لقائي مع قلب طغح.. قصص لم تروَ بعد!

لقائي مع قلب طغح.. قصص لم تروَ بعد!

عبد الكريم شيخ موسى (قلب طقح) اسم لمناضلٍ صومالي اعتقلته حكومته في وضح النهار، وسلّمته لدولة جاره، تُعتبر العدو التاريخي للكيان الصومالي المترامي الأطراف؛ دونما شعور بوخزٍ للضمير، ولا حتى بأدنى خجل.

تحوّل هذا المناضل في وقت قياسي لأيقونةٍ وطنية أمثال: تشي جيفارا وماو تسي تونغ؛ لتشابه دوره الوطني وملحمته البطولية مع أدوارهما، فهما أيقظا الروح الوطنية لبوليفيا والصين، وهو أيقظ الروح الوطنية الصومالية بعد طول سباتٍ وعمق تفككٍ بفعل الحروب والاقتتال الداخلي منذ ما يقرب من ثلاثة عقود.

وأصبحت كل ألوان الطيف السياسي والرموز الوطنية تلتفُّ حوله، مع بعض المزايدات من قِبل المعارضة، فدموع بعضهم أشبه ما تكون بدموع التماسيح! ولو كان بعضهم في موقع المسؤولية لأرتكب ما هو أبشع لكنها هي السياسية سريعة التحوّل، برغماتية المبادئ، متلونّة المواقف، مع إمكانية ركوب موجاتها العاتية والمتلاطمة، وتطويعها-أحياناً- عكس التّيار، وعلى رأي المثل الإيطالي: “لا يُضيّع الفرَص مهما تكن”، هكذا هو نهج بعض ساسة بلادي، ينتهزون الفُرص، كلما لاحت لهم من بعيد، سانحة لكيل التُّهم لخصومهم من الحكومة ما تردّدوا في كيلها وسردها، ووصم جبين الحكومة بالعار والخزي!

 بعجالة، دعني أعرّف القارئ العربي، بقصة هذا المناضل الصومالي عبد الكريم قلب ظغح (قلب ظغح كلمة صومالية وترجمتها باللغة العربية تعني بقلب الحجر) فهو ضابط وصل برتبة رائد في الجيش الصومالي، انضم في بواكير شبابه لجبهة تحرير الأوغادين، كغيره من أبناء هذا الإقليم الصومالي؛ الذين حملوا السلاح على أكتافهم لتحرير أرضهم من القوى الحبشية الجاثمة على صدورهم.

في أغطس من العام الماضي اعتقلته المخابرات الصومالية في وسط الصومال، وسلّمته لنظيرتها الأثيوبية، التي احتفلت بالصيد الثمين ببيانات تصعيدية، وكأنها طعنة مقصودة في خاصرة الحكومة الفيدرالية الصومالية، في عملية وُصِفت بالخيانة العظمى، ولطّخت سمعة الحكومة وشوّهتها، وجابت المظاهرات في معظم الحواضر الصومالية بالقرن الأفريقي ودول المهجر؛ منددةً بالعملية والقائمين عليها واصفين إياهم بالخونة وعديمي الضمير، تراجعت سمعة الحكومة بصورة لم تكن في الحُسبان، كيف يتحول الحمل الوديع إلى ذئب مفترس؟! كاشر الأنياب، ينهش لحوم مواطنيه قبل أعدائه.

إنها من عجائب السياسية وغرائب هذا الزمان، المراهنة على أرواح المواطنيين في لعبةٍ خاسرة حتماً، ومحاولة خطب الود، وتلميع الوجوه، ولو على حساب القيم وحقوق المواطنة، ومن عدو تاريخي لم يَكُفْ -أبداً- طوال سنوات أزمتنا من ابتلاع الصومال، واستغلال خيراته.

والأغرب ما في القصة أنه تم الإفراج عنه مؤخراً (قبل شهر تقريباً) من قبل الحكومة الإيثوبية نفسها، بعد حزمة إصلاحات أطلقها الدكتور أبي أحمد -رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد المنحدر من قومية أرومو -والذي تصدر إلى واجهة الدولة العميقة بعد ثورة ربيع إيثوبي أطاحت برموز نظام التغراي، وقلبت موازين القوى لصالح قوى التغيير في المنطقة.

بعد الإفراج عنه تمنيتُ اللقاء معه بروح الصحفي الشغوف لمعرفة بواطن الأحداث، واستخلاص ما خفي من حادثة تسليمه التي حرّكت وِجدان الشعب الصومالي من أقصاه إلى أقصاه.. لكن هذا لم يحدث ولن يحدث، بسبب التزاماتي السياسية الصارمة.

كما أنني حاولت الكتابة عن الرجل وأسباب تباين الرؤى حوله أثناء فترة اعتقاله.. لكن القلم لم يطاوعني، وقريحتي لم تَجُد بخيال خصب لتسطير مقالٍ بفعل تقلب الأمزجة الممزوج -ربما- بلوعة الحزن، وتحت تأثير العواطف الهياجة من محبي الرجل، منعتني من الكتابة التحليلية، والغوص في أعماق أكبر حادثة كادت أن تطيح بالحكومة وتدخل البلد في فراغ دستوري خطير!

وبما أن مزاجي الكتابي يستقيم ويكون في أعلى مستويات إنتاجه عند سفري خارج الصومال، قررتُ اللقاء معه في نيروبي بواسطة صديقي أحمد معلم فَكِي النائب في مجلس الشعب، نسق ورتّب لقائي معه بمساعدة النائب حسن يَرِي، لعل وعسى أتزود من فائض وطنية قلب طقح، وخبرته في مرارات تجربة السجن، والدروس المستفادة منها، وأقدم له – أيضا- توصياتي، لعله هو -أيضاً-يستعينها في التخطيط لمستقبله، ولم يخلُ اللقاء من تشبيكٍ للعلاقات وخلق صداقات جديدة.

هاتفته صباح الأربعاء الموافق ٢٦ من شهر يونيو/تموز، رحّب بالفكرة، وأبدى حماساً زائداً بالجلسة، وبالفعل تمّ اللقاء في ضاحية “هلنغام” الراقية بنيروبي، وداخل أحد مقاهي أبراج وفنادق “لينينا تاور”. وبرفقة رجال ما بين شباب وكهول، عرّفني إياهم بأنهم أعضاء في المكتب التنفيذي لجبهة تحرير أوغادين؛ قائلاً لي: “معالي الوزير، قبل شهور، لم نكن نجرؤ بتعريف أعضاء مكتب تنفيذ الجبهة، سبحان مغير الأحوال! الفضل يعود لأبي أحمد، وهو الذي أفرج عني، لا تصدّقوا أكاذيب البعض، وعلى رأسهم الحكومة الصومالية الفيدرالية”.

في الوهلة الأولى، يبدو الرجل بسيطاً في مظهره وملبسه، سرعان ما تتيقّن أنه مناضل من الطراز الفريد، أُسند إليه بمهمات جسيمة داخل جبهة تحرير الأوغادين، فخلف البساطة عِناد لا يُقاوم، إنه أوغاديني قُح متشرب بطِباع البادية وخِصالها حتى النخاع، يؤمن أن المبادئ هي كل شيءٍ في هذه الفانية، شعاره في الحياة هي أبيات استوحاها من قصيدة الشاعر الفلسطيني الشهيد عبد الرحيم محمود: إما حياة تُسِّرُ الصديق، وإمّا ممات يغيظ العدا.

بعد التعارف السريع، ومزحة بسيطة لكسر الثلج والرتابة، بدأتُ بالحديث معه حول نُقطتيْن: –

أولها: أن يُدشن مؤسسةً للحريات وحقوق الإنسان في الصومال؛ بعدما ذاق بنفسه مرارات السجن الانفرادي، وظلم ذوي القُربى من بني جلدته، وأن ينسى الذكريات المؤلمة، ويسامح لمن ظلمه، في أيثوبيا وحدها- حسب إفاداته- هناك ١٢٠ ألف سجين، وفي الإقليم الصومالي وحده يقبع خلف القضبان ٢٣ ألف مواطن صومالي، كلهم بحاجة إلى جهود شخصيات مثله، فضربتُ له بالأمثلة بنيلسون منديلا ونضاله، وكيف سامح سجّانيه، وكذلك مالكوم أكس وتجربته المريرة في السجن، وكيف حول الألم إلى أمل.

ثانيا: – طلبتُ منه أن يؤلف كتابا فيما جرى له، كيف تقع الأنظمة في الفخ؟ فالقضية من أساسها مؤامرة منسوجة باقتدار؛ بهدف تشويه سمعة الحكومة الفيدرالية، وإحراجها أمام الرأي العام الصومالي.

فأنا أؤمن بأن الكتابة علاج للكثير من أزماتنا الداخلية، فنحن مجتمع شفاهي لا يقيم وزناً للكتاب، طلبتُ منه بإلحاح أن يُسامح الحكومة، ولكنه لا ينسى-أبداً- بما جرى له، إعمالا لمبدأ رواندا (سامح ولا تنسى) قبل عشر سنوات شاهدتُ فيلم “فندق رواندا” إنه فيلم يُحاكي الواقع، مُشوّق، يضعك أمام صورة ما جرى بين هوتو وتوتسي، في ذاك الوقت، ومع ذلك تناسوا جراحات الماضي، وجعلوا قبورهم متاحف للإتعاظ والتذكير بالمجزرة.

وحين كتبت ليدون كيبتجنز كتابها ” إبادة قبيلة في الصومال” واجهت عاصفة من الانتقادات من بعض الأكاديميين الصوماليين، لكنها كانت مُحِقّة فيما كتبت، وقامت بما عجزنا عنه، فلابد من نص مكتوب تتوارثه الأجيال،  نتحاكم إليه، يُقرّب وجهات النظر،  يُلقي الحجر ببركة المياه الراكدة، ويُخفّف كذلك وطأة المآسي،  فهناك كتاب أبحث عنه منذ سنتين لم أعثر له بعد أثرا، من تأليف سجين ماركسي سابق في الإشتراكية العلمية الصومالية، وداخل أقبية السجن اعتنق هذا الفكر الإسلامي، والّف كتابا بحدود خمسين صفحة أسماه ” تجربتي في سجون سياد بري” من وجد نسخة من هذا الكتيب أرجو أن يرسلها لي مقابل أي سعر يختاره، فحب الكتاب يسري مني مجرى الدم في العروق.

اقتنع المناضل عبد الكريم موسى قلب ظقح بالفكرتيْن، ورحّب بهما أيما ترحيب، وبدأ حديثه معي متدفقاً من أعماق قلبه عند نوبته، سرد لي لي حكايات لم تروَ من قبل لأحدٍ غيري، بعضها تُبكي الرجال -على قدر جلالهم وهيبتهم- من هول قسوتها، وأنا سأحكيكم عنها حكايات في مقالاتٍ قادمة!

Share This:

عن عبد الفتاح نور أشكر

عبد الفتاح نور أشكر
كاتب صحفي، ووزير الدولة في وزراة الإعلام في ولاية بونت لاند الصومالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *