الرئيسية » مقالات » الأخطاء الجذرية في منهجيتنا الفكرية !

الأخطاء الجذرية في منهجيتنا الفكرية !

الخطأ والزلل والنقصان وكل مايحمل معاني “العجز الذاتي ” مكمنات بشرية تسكن في عمق النفس البشري!، والخطأ سنة كونية لدى الإنسان ويظهر هذا من جميع جوانب الحياة بشكل بديهي أو بآخر وهذا ما تقر به البشرية عبر تاريخها المديد!، والمنهجية التعليمية والنظم السياسية والإدارات وترتيب أدوات الحياة جزء من ملكيتنا الخاصة التي قال عنها النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم حديثا من العيار الثقيل “أنتم أعلم بأمور دنياكم “!، يعني أنتم أعلم من غيركم كيفية الترتيب والإدارة والنتسيق والتنظيم، والله أعطاكم فسحة وأرضية نتمتع فيها وكل ميسر لما خلق له.

هذا إذا كان الشخص ناقصا غير كامل ويورده الخطأ في ذاته لابد أن يدخل الخلل في أعماله وأفكاره ومناهجه وترتيب حياته!، ومنهجيتنا الفكرية السائدة في عالمنا الإسلامي يظهر عنها بعض الثغرات التي تحتاج إلى سد، والأخطاء التي تكون بأمس الحاجة إلى تصحيح حتى يستقيم لنا المسار وينير لنا الطريق.

والشيء الأهم الذي لابد أن نتنبه به قبل هذا وذاك أن نقر الخطأ والنقص لكي نشمر ونجمع قواتنا المكمنة في نفوسنا لسد التغرات وجبر مايظهر عنه النقص!، والنقد الذاتي شيء لايستغني عنه المنظمون والمتعلمون ومن بيده مستقبل شخص فأكثر، وهناك أخطاء جذرية تستمد إلى العمق؛ بسببها تنهار الحضارات وتقرب الدول إلى الزوال والرحيل!، وفي نفس منهجيتنا الفكرية أخطاء جذرية وأخرى سطحية يتعامى عنها الكثير من المتعلمين وقد يجحدها البعض ويخفونها لحاجة في نفسه!. وأود أن أعرض في ضمن هذا المقال بعضا منها والتي تعيق مستقبلنا القديم وقد تضر حاضرنا الموجود!. المثقف وفقد البوصلة!.

إن أكبر أزمة تواجه المثقف الإسلامي وحتى المفكر هي انعدام الأوليات والتناسي لترتيب الأمور بشكل “الأهم فالأهم ” وهذه نتجت عن فقد البوصلة التي توجه صاحبها إلى الأصوب والأحسن في المواقف والمقولات!، ومن أكبر القضايا التي تبصرنا بفقد البوصلة لدى المثقف اللاإلتزامية بخط واحد واتباع طرق متعددة!، وأيضا من مظاهر فقد البوصلة لدى المثقف الإشتغال بأمور ليس بمهنته وأن يضع على عاتقه ما يثقله فقط، من متابعة السياسية وقراءة المجلات والصحف والمنشورات والتغريدات التي لاتسمن ولاتغني من جوع!، وأن يقضي أكثر وقته العكوف على الشاشات والإنترنت، وأن يهلك وقته بما لاتحصل به فائدة من أية وجه. وأيضا من مظاهر فقد البوصلة لدى المثقف أن ينسجم مع البيئة المحفوفة بالمخاطر الفكرية والغبشات الساذجة التي يعيش فيها!، والدوران في العامية وأهل الخرافات الفكرية!، وأن تصبح عقلية المثقف الكادر مثل عقلية الجاهل الذي يتعاطى من أفكار الناس ولايملك أدنى أرضية لمواجهة المدلهمات!، كل هذا وذلك توضح لنا مدى غياب البوصلة الفكرية لدى أصحاب التعليم وفي أي مرحلة كانوا…

قدر الشخص في عالم الفكر إن الشخص المجرد ليس له أدنى أهمية في عالم الفكر ولاشيء يجعل له حقا للتقدير ولايملك أرضية يتجول بها حيث يشاء!، دخل في عالم الفكر وطرح رأيه وسوف يخرج عنه يوما ما، ولعل الأيام تجعله يتغير ويعيد النظر في أفكاره!، وقد يقع في ورطات فكرية والأيام الحاملة للمفاجآت قد تجعله يرجع عن كل أفكاره السابقة ويتبرئ عنها قادمي المناهج والتنظيم!، فاستغربت تصرف هؤلاء الذين يجعلون للشخص أرضية كبير تحمي عنه النقد والتنقيص بمجرد أن يتبنوا بأفكارهم!. التقليد والتلفيق في حق المثقف الشخص المثقف هو الذي يملك جعبة جيدة للعلم والفكر!، ويملك في نفس الوقت حججا وبراهينا لكي يدافع أفكاره وآراءه، وليس له أن يتبع شخص ما بالعمي وأن يدافع أفكار شخص آخر لأجل أنه شيخه أو التبني بمذهبه!، ومن الجذير أنه لايقبل المثقف أن يكون بوابة عبور نحو حماية الأفكار!، وفي ضمن النقاشات العلمية ومحكمة الحجة والبرهان والدليل والبيان لابد أن يكون موقف المثقف “هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ” .

فالشرع والعقل والسجية والفطرة وكل المعايير البشرية تأبى أن يتبع شخص لآخر دون دليل، أو حجة يستند لمقولته هذه ؟ وأي برهان يعتمد ؟!، ومن المظاهر البينة لمنهجيتنا الفكرية السائدة في عالمنا الفكري هذا التقليد البائس والجمود الفكري والتراجع عن المستوى المنطقي!، لابد أن نشتغل عقولنا وأن لانحتاج لأفكار الآخرين!، وأن لانكون مثل هؤلاء الذين يحملون دوما أفكارا غربية أو شرقية إلى العالم الإسلامي ويريدون أن نطبق فيه دون دليل!، ولا إلى هؤلاء الذين جمدوا في بطون كتب التاريخ وماضي الأمة ويريدون تطبيق الماضي على الحاضر والمستقبل!، ناهيك عن هؤلاء الذين لايفكرون أصلا ولايحركون ثابتا!، ولابد أن نجتهد في وضع الأمور على محلها المناسب وأن ننزل الفقه بالمكان المناسب (فقه الواقع) وأن نرتدي المستقبل ونخمن بمعطياته (الفقه الإرتياديئ)!، أما التقصير على الإجتهاد والإستنكاف على التقليد فهذا ليس معقولا حتى بأقل المعايير . كثرة الرودود والنقاشات العقيمة في مجالسنا العلمية ومياديننا المعرفية.

كل شيء في هذه الدنيا إذا طغى وجاوز حده فسد وأفسد!، وأيضا اللاإلتزامية بضوابط ومعايير وحدود تنقص قدر الشيء!، وإذا نزع الشيء عن دسمه ومحسنيه فإنه لايمر في الحلقة كماهو الواجب!، بل يضر صاحبه ويجعله يكره وجوده!… هذا !، فإن مما تشهد مجالسنا وميادين معرفتنا كثرة النقاشات العقيمة المنزوعة من الدسم والإشتغال بفروع المسائل!، وأن يجيب الشخص ويعرض لنفسه كل ماهب ودب من المسائل ويشتت ذهنه بكثرة الردود!، وأن يشتغل بالإضافات الفلانية والتعقيبات!، وما إلى ذلك مما هو مضيع للوقت بغبن وتغابن!، فإن النقاش لاينفع صاحبه إلا أن تجرد عن كل العواطف الهوجاء التي قد تسبب إنكار الحق والجحود عن الصواب!. والأجدر أن يكون النقاش مثمرا ونافعا لا أن يكون عاميا وذلك بطرح علمي من شخص يعرف ما يطرح وبما يقول وقد هيأ للعلم وتبادل المعرفة.

هل وضعنا الحوار مكانه المناسب؟

الحوارا طريق جميل من طرق تحصيل العلم وفتح الآفاق الفكرية وهو أنفع الطرق وأحسنها إذا صاحبها العلم والأدب والخلق!، فمنهجيتنا الفكرية دائما ماتقصر عن هذه النقطة فلاندرس في المهرجانات ولا في المعاهد ولاحتى في الجامعات وهي مادة مهمة تعطي صاحبها كما هائلا من النضوج الفكري والإنفتاح الممتع ، فكان العلماء وطلبة العلم يدرسون في المدارس والحلقات العلمية وألفوا منها مؤلفاتا خاصة وبعضهم ذكروا في كتب الأصول والمقاصد، فمن الذين تعاطو هذه المادة في كتبهم : الإمام أبي إسحاق الشيرازي في كتابه (المعونة في علم الجدل) وأثنى عليه العلماء منهجيته الراسخة ودارسوا في حلقاتهم. وأيضا الشيخ العلامة محمد مختار الشنقيطي في كتابه (أدب البحث والمناظرة ) وقد ذكر آداب المناظرة وسلوكها وكيفية طرح الحجة وإفحام الآخر بأسلوب علمي. غلطة الكلمات وخشونة الألفاظ حينما نتعاطى المسائل الخلافية. إن مما يكثر في التيارات الإسلامية ويزداد سوءا يوما بعد إلى أن يبلغ الأمر مداه هو سوء التعامل ورمي الحقد والبغض في الآخر، واستعمال القانبل العنقودية ضمن ردوداتهم في المسائل الخلافية، فكثير منهم يختلفون في مسائل إصلاحية تقبل الوجه والوجه الآخر وتنازلها أحسن من التشدد والإنكار، فلا يريد أحدهم أن يقر لأخيه نقطة واحدة من العلم والتوجيه!، فقط يحسن الردود الغلطة وشدة الخطاب!، فكثير من القضايا -المختلف فيها بين المدارس الإسلامية حينما ننصف ونجعل أنفسنا حياديين- تقتصر بفروع وجزئيات!، فهناك أشياء كثيرة لاتضر للود قضية مع أنهم يكفرون بالجماعات والمجتمعات ويبدعون الأعيان ويفسقون الأخر ويحكمون عليهم بالإثم والإحرام . مطالعاتنا لا تثمر، لماذا ؟. إن أول محطة لتحصيل العلم ونضوج الفكر المطالعة والقراءة الحرة، فالقراءة تبصرنا آفاقا فكرية بعيدة عاش فيها العظماء والأجلاء وتعيد لنا ذكريات القدماء وتجعل لنا نبني واقعا أكثر إبداعا وأحسن تجليا، فالقراءة لها ميزاتها التي لاتحصى بالعد والتعداد، وأيضا لها آفاتها إذا حادت عن الطريق، فالعشوائية في المطالعة والقراءة تجعلك أكثر سذاجة في المواقف الفكرية، وتبذر الرسوخ العلمي، وتهدي صاحبها التشتت الذهني وضعف الذاكرة، فدائما المنهجية التي نقرؤ في التراث الإسلامي لعلها أقل وعيا وأضعف جمعا؛ لأن القراءة التي صاحبها فقد الضوابط والإلتزام بنمط واحد لاتنفع ولاتهب لصاحبها شيأ من العلم والمعرفة، فلابد أن نرتب الموسوعات والمجلدات ونهيء لها الأوقات؛ لأن مطالعاتنا كثيرة ونقرؤ كل ماهب ودب مع أنها عديم الثمرة والفائدة؛ لأنها فقدت الإنضباط وسارت شارع العشوائية . هذا بعض من المحاور الأساسية لمنهجيتنا الفكرية، وقد تختلف الأنظار لعرضها ونقدها أيضا، فعموما منهجيتنا الفكرية تحتاج إعادة نظر كلية وأن نصوغها صياغة أخرى، وحتى نخرج من الأزمات المتراكمة التي تتجلى أضرارها في الواقع وتزداد سوءا يوما بعد يوم، وحتى نقدم الخطى نحو عالم فكري أفضل لابد أن نجدد الطريق مرة أخرى وأن نصحح وجهة المسار وأن نبحث البوصلة التي فقدناها منذ وقت ليس بالقصير، فالتعامل الذي بيننا -كإسلاميين- يمر في أحلك الأوقات والأمة الآسلامية في مفترق الطريق بين مجازات الماضي واستشراف المستقبل.

ولعل النضوج الفكري قد بدأ وهو في الوهلة الأولى لدى الجيل الصاعد فعلى المثقفين أن يواجهوا الشباب بالتسامح والتعاطف ولين الجانب والإنفتاح الفكري أكثر من مواجهتهم بالحروب الضائعة للوقت وزرع العداوة والبغضاء في قلوب المتعلمين، وعلى العلماء والمربين والكتاب وغالبية أعيان الأمة أن يقبلوا حاضرهم إقبال رجل واحد، وأن يتركوا الماضي والجمود على سابقي الأمور، وأن يفتحوا مجلدا جديدا لتسجيل مستجدات الأفكار، وأن يتنازلوا عن كل الأمور المصلحية ويعمل كل منهم على وجهة نظره مع التحفظ للقاسم المشترك!، والأمة الإسلامية تتمخض والأيام المقبلة تحمل المفاجآت فأواصي جميع الإسلامين أن لايأخذوا ما ينقص قدرهم ويطعن شهرتهم؛ لأن ديوان التاريخ مفتوح والقلم مستعد لكتابة المفاجآت، فليكن الكل على حذر!.

Share This:

عن عبد الواحد حسن فارح

عبد الواحد حسن فارح
طالب شرعي مقيم في لاسعانود يحب الفقه الإسلامي والكتب الفكرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *