الرئيسية » مقالات » المسجد الذي تريده الجالية الصومالية في المهجر

المسجد الذي تريده الجالية الصومالية في المهجر

قد يبدو هذا العنوان غريبا أو قد يراه البعض استفزازيا يراد منه النيل من بعض القائمين على تسيير المراكز والمساجد القائمة الآن ، أو الإشارة إلى الأخطاء والتصرفات الخاطئة التي ما زالت تواكب في مسيرة هذه المرافق المهمة ، وغير ذلك من الظنون والمخاوف التي تسيطر على عقول وقلوب المتنفذين على المراكز ، حيث يعتبرون كل صوت يحاول ابداء النصح وإشارة مكامن الخلل بأن وراءه ما يدعو إلى الشك والريبة .

أو قد يقول قائل المساجد الموجودة تقوم بأعمال جليلة وكثيرة وتسدّ ثغرة مهمة من حاجة الجالية ، فما الداعي بهذا العنوان المثير للجدل ! ، وإذا كان هناك نقص لماذا لا يتم التعامل معه عن طريق من يهمه الأمر بدل البخس والاستفزاز .

قلت :ليس المراد من تسطير هذه الكلمات التعرض أو التحدث عن كل ما ذكر ، ولكن البوصلة متجهة إلى جوانب أخرى مغايرة عن الصورة النمطية الموجودة في الساحة ، وكما قيل في المثل : كاد المريب أن يقول خذوني ، فبعض من تسلطوا على المؤسسات العامة ينتابهم الخوف والوجل كل ما سمعوا صوتا خافتا يهمس بأن التصحيح يجب أن يأخذ مجراه الصحيح إذا أريد لهذه المرافق أن تؤتي ثمارها بكل يسر وسهولة ، وغالب هذا الخوف لا ينطلق من أجل رعاية  مصلحة الأمة بل يقتصر الحفاظ على المصالح الخاصة التي تختفي وراء وتحت جلباب  المصلحة العامة .

تمتلك الجالية الصومالية في المهجر مساجد ومراكز ومصليات كثيرة ، وما زالت النفوس تتطلع إلى بناء وتأسيس مزيد منها كلما سنحت الفرصة ودعت الحاجة إلى ذلك ، ولكن تحولت كثير من هذه المراكز إلى مرافق خاصة وأصبحت ميدانا للتنازع من أجل سيطرتها والتصرف فيها دون وجه شرعي .

لن أتحدث عن دور المسجد ومكانته وأهميته لأن ذلك أمر مشهور ومعروف لذى العامة والخاصة ، كما لا أتحدث عن الدور الناصع الذي قام به المسجد النبوي الشريف ولا أطالب بأن تصبح المساجد  بمثل أو طبق الأصل عن مسجد المصطفي صلي الله عليه وسلم ، لأن هذا الشرف حباه الله تعالى وقصره بهذا البقعة المباركة تعظيما وتكريما لجناب صاحب العصمة والرسالة (ص) ، ولن يجود الزمان بمثله .

فقدت المساجد دورها وحيويتها يوم أن انتقلت قيادة الأمة من محراب ومنبر المسجد الذي لا بوّاب له إلى القصور الشاهقة التي تتقطع الأقدام دون الوصول إليها ،  وأصبحت المساجد مجرد مصلى للصلاة أو للوعظ والتذكير أو لإقامة دورس علمية تنظم العلاقة بين العبد وربه فقط ولا علاقة لها في الشأن العام إلا بحدود ما يسمح به صاحب الولاية العامة ولا يتعارض مع رغبات البلاط وحاشيته وكرسيه .

ولا يمكن التصور بأن يصبح المسجد كما كان عليه في زمن الرسالة والخلافة الراشدة ، ولكن يجب عليه أن تتوفر فيه الحد الأدنى من الخدمة التي تحتاجها الجالية الصومالية في بلاد المهجر ، لأنه لا معنى للبناء الحسي ما لم يوجد بناء معنوي ومعرفي وإداري  .

والمسجد الذي تريده الجالية هو :

  • الذي تتوفر فيه قضاء شرعي يستطيع الفصل بين الخلافات الزوجية ، ويسعى الاصلاح بين الفرقاء ، ويفرق بين الزوجين إذا لزم الأمر ، ولعدم وجود هذا المرفق الحيوي في مساجدنا تلجأ الأسر الصومالية إلى المراكز الأخرى الذين يجهلون كثيرا عن تقاليدنا وموروثنا الثقافي في حل الخلافات الزوجية .
  • المسجد الذي يعطي مساحة واسعة من أنشطته في تلبية حاجات الشباب والجيل الناشئ واهتماماتهم ، لأن المساجد أصبحت اليوم توجه غالب أنشطتها إلى الكبار .
  • المسجد الذي يحوي في جنباته قسما للنساء وشؤون المرأة ، ويتولى إدارتها وتيسيرها لجنة من النساء تلبية لحاجات المرأة الصومالية في المهجر .
  • المسجد الذي يوجه كامل طاقته في إفادة الجالية وخدمتها دون الانشغال فيما يجري في بلد الأم والموطن الأصلي .
  • المسجد الذي يشترك في ادارته جميع أفراد الجالية ، كل على قدره وكفاءته ، ولا يتحول إلى مزرعة شخصية أو فئوية ، لأن الجميع شارك في بنائه وتشديده ، فمن الظلم أن تستأثر جماعة دون أخرى .
  • المسجد الذي يساهم في أنشطته الدعوية والتعليمية جميع المدارس الفكرية المنتسبة إلى أهل السنة والجماعة مع اعتماد المذهب الشافعي في الفروع ، ويكون شعاره ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا ، ولا يثير المسائل الخلافية التي تسبب التنازع والاختلاف ، ويكون الهذف من اثارتها التميز عن الأخرين .
  • المسجد الذي يستقطب كل من لديه قدرة في تقديم استشارات قانونية للجالية من الناحية الاجتماعية والعائلية والصحية والمالية والتعليمة وغير ذلك مما له علاقة في حياتهم .
  • المسجد الذي تخضع إدارته لنظام المحاسبة والشفافية ونشر تقريرها المالي دوريا .
  • المسجد الذي يُختار إمامه وخطيبه عن طريق الاختبار والامتحان لا القرابة والصداقة وارضاء القبيلة أو الحركة ، مع توفير كامل لاحتياجاته المالية بحسب العمل المنوط إليه ، حتى لا يضطر إلى مزاولة عمل أخرى بحجة عدم كفاية راتبه ، مما بجعل عمله في المسجد ثانويا ، مع تحديد وتوصيف عمله ، ومراجعة بنود العقد كلما دعت الحاجة إلى ذلك .
  • المسجد الذي يكتفى بعلماء ودعاة مدينته ومحيطه ولا يتجاوز عنهم ما لم تكن هناك حاجة تتطلب ذلك .
  • المسجد الذي لا تملكه حركة أو جماعة أو قبيلة أو فرد بل تملكه الجالية ، ويكون له مجلس أمناء يتكون من عقلاء الجالية ، تكون مهمته على الإشراف ووضع الاستراتيجيات المستقبلية.
  • المسجد الذي يجيد إمامه وخطيبه قدرا معقولا من لغة ولسان أهل البلد حتى يتمكن من إبلاغ رسلته بيسر وسهولة .
  • المسجد الذي لا ينتسب شيخه إلى أي حركة فكرية أو تنظيمية ولا يتعامل مع رواد المسجد بعقلية من معي أو ضدي ، بل كل من دخل المسجد فهو في ضيافة الرحمن يجب إكرامه .
  • المسجد الذي لا يفرق بين المناطق الصومالية عندما تقع الكوارث والمصائب العامة ، بأن يتعاطف مع جهة ويتجاهل عن آخر من أجل فكر أو عرق أو مبدأ ، بل يكون سندا وعونا لكل محتاج من أي جهة كان .
  • المسجد الذي يجعل من أولوياته تحذير المجتمع من خطورة المخدرات والجريمة المنظمة ويخصص جزأ من ميزانيته في زيارة السجون وتوعية المساجين الصوماليين الذين يحتاجون من يرشدهم ويعلمهم .

وأخيرا هذه اقتراجات يمكن تصويبها وتكميلها أو تجاهلها بالكلية وتأسيس صيغة أخرى تؤدي إلى الغرض المطلوب ، كما يصعب تحقيقها كاملة في وقت واحد ، وقد حقق كل مسجد جزأ مما ذكر ، ويستطيع اصلاح ما عنده من أخطاء حتى يكتمل البناء بصورة جميلة وتصبح المساجد موئلا وملجأ لكل مسلم ، ولا يشعر الغربة وهو في داخلها .

وفق الله تعالى الجميع بما فيه صلاح ديننا ودنيانا .

عبد الباسط شيخ إبراهيم

يوم الأحد ٥/٨/٢٠١٨م .

Share This:

عن د.عبد الباسط شيخ إبراهيم

د.عبد الباسط شيخ إبراهيم
كاتب مهتم بالشؤون الفكرية والدعوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *