الرئيسية » مقالات » ابنتي لا أريدكِ مثلي

ابنتي لا أريدكِ مثلي

يتسارع إلى ذهنك عند اول نظرة على موضوع الخربشة التى خطتها يداي وعبث بها قلمي وسطرها على الأوراق، بأنني لست الأم المثالية التى كان يجب ان تكون قدوة لأبنائها خاصة الإناث منهم، او على الأقل ان أبدو امامك شخصية فاشلة منحرفة عن جادة الصواب، ولا تناسب لتكون قدوة لأبنائها ولا لأحد غيرهم، وتحذر ابنتها من الركض خلفها، بل العكس، ولا أدعي المثالية؛ إلا أنني لست انسانة كاملة ينقصني الكثير، ومهما فعلت وحاولت فلن أبلغ الكمال أبدا والكمال لله وحده..

وكلنا نعلم أن الأم هي القدوة الأعلى والمثال الحيوي لابنتها والمعلم الأول لها.. وكما يقال: ” البنت سر أمها وأمها مستودع سرها”. وعلى هذا لا يستوجب ان تسير ابنتي على خطاي وتتبعني كظلي ولا تنفك عني، تسيء ما أسأت، وتخطئ ما أخطأت، وما أكثر الطرق المؤذية إلى المستقبل المشرق، ورغم شدة الذكاء الذي كنت أتمتع به منذ صغري إلا أنه لو كان بامكاني إعادة شريط حياتي إلى الوراء ولو قليلا لم أكن لأختار ان أكون يوما بطلة من تلك المسرحية المزيفة التى أعيشها رغما عني، وذاك الإطار الذي لا يناسبني.

صغيرتي آمل أن تكوني على علم، ولا أخفي عليك سرا أنني أحبك محبة تتأهب من وصف كنهها الأقلام، وتعجز عن تعبيرها الألسن، وسأجعل سعادتي حكرا على سعادتك، بل حياتي كلها لتدب الحياة فى عروقك، وأكترس المحال من أجل ان أرى أنيابك تظهر وأنت تبتسمين، وأنا مستعدة بكامل قواي وقبل أن يلوكني القبر ويُغيِّبُنيَ الثرى ان أظل ذلك الكتف الذي تستند اليه عند ما تلهمك لسعات الدنيا وقساوتها.

بُنيَتي وُلدتُّ فى قرن غير القرن الذي وُلدتَّ فيه، صادفت مع وجوه قد لا تراها أبدا، ربما كانت أفضل بكثير من تلك التى ستقابلها، تعرّضتُ لأحوال مختلفة تماما عن الأحوال التى ستمر بك، وسيقابلك من أصناف الناس وسلوكياتهم ما لم تألفيه فلا يخدعنك بريق صنيعهم، ولا تنجرفي وراء معسول كلامهم، واستعيني بالله تعالى على كل ذلك، ولا يعيبك السؤال وأخذ المشورة ممن سبقوك من الثقات ومن هم أكبر منك سِناً.

و لا أريدك ان تكوني نسخة مصغرة من طبق أصلي بكل تفاصيلك وحذافير شخصيتك، ولا أريدك تمشي على الأثر الذي تركته أقدامي على الرمال، وتسلك نفس المسلك الذي سلكته يوما، بل أريدك ان تشق لنفسك طريقا على الصخور، وتمد جسرا من العزيمة والإرادة على بحر المستحيل تربطك بشاطئ المستطاع، وتبني سلما توصلك الى النجوم، ولا تدع اليأس يداهم عقلك، ولا الهم يجثم على صدرك، ولا أريد أن تكون حياتك صدى لحياتي بل أريدك أن تقومي بما عجزت انا القيام به، وتكمل كل ما تركته ناقصا، وتواصل مالم أتمكن الانهاء به، وكثيرا مما عقّدتُ العزم عليه ولكنه حال بيني وبين تحقيقها موقعي الجغرافيا، وكذلك الأمنيات التى كانت تستهويني منذ الصغر، والتى لم ولن تتحق ما دمنا فى هذه الخارطة الظالم أهلها حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. وتزيد على الكون مالم أستطع الزيادة عليه، حتى لا أجرّ خيبتي بأنني لم أزد على المجتمع إلا عالة على فقره، سنحت لك الفرصة مالم تسنح لي، أريدك ان ترفع إلى السماء راية الحق، لن تسكت عن الإهانة ولن تتوانى عن رد الإساءة إلى حجرها، وأن تضع حداًّ كل من حاول التجاوز حدوده معك.

عزيزتي الصغيرة فإن غدا ستكبرين وتبدأ الحياة بضخ سمومها إلى وريدك، ولا ندري ما تخبئه لنا الأيام، كلما لاح فى الأفق بصيص أمل أطفأته الأقدار بقسوة ما بعدها قسوة، وفجأة يتحول الوميض الرقراق من الزهري والشفاف إلى الرمادي الكامد، تُسرِعنا بالصعود نحو الكواكب فَتَكلُّ أجنحتنا وتهبط بنا الى الهاوية، فلأن السبل التى تبلغنا قمة الجبال لا تخلوا من مكامن اللصوص وكهوف الذئاب.

قد يأتي عليك يوما من الدهر لن أكون بجانبك، عند ها تغيب شمسي عن سماء عينيك، وتقطع أنفاسي عن هوائك، ولا ينتظرني سوى ما زرعته فيك من بذور الحب والخير، وما أجمل وقت الحصاد عند ما يحين، وأريدك ان لا يهتز النبض فى قلبك ولا تفور الأرض تحت قدميك. إياك واتباع الهوى، ولا تسمح هوى النفس تجعلك دنيا بين يديها تحركك ذات اليمين وذات الشمال، أريدك ان تكوني أنثى حرة بقلب لبوة، لا تقيم وزناً كل ما ينغِّصُ أحلامها، وتنظر إلى الحياة نظرة تفاؤلية رغم بشاعتها، تركل من الخلف كل من حاول تَعَكُّرَ صفو حياتها، واعتراض سير قواقلها، وتدنيس براءتها، وكبح جماح همتها، ولا تدع سهام كلام الناس فيك يخترق الى قلب أحلامك ويخدشها أو يقتلها فى مهدها، فالناس يجعلون من الحبّة قُبّة وويل لمن يتسلطون عليه، ولذات السبب فاجعل أهدافك مغلقة بإحكام فى صندوق وضعيه فى عالم بعيد عن متناول أيدى الأطفال، ولا تبلغه عواء الذئاب وفحيح الأفاعي، فأولئك عنها مبعدون.

وكل أملي أن لا يحين أجلي، ولا يطير عقلي قبل أن تنقشع الغمامة عن عينك، وينجلي الضباب حولك، وترى العالم بوضوح، وقبل أن أغرس فى أعماق روحك أثمن الجواهر التى يتحلى بها انسان هي الأخلاق القويمة، وأعلمك مغزى وجودك فى الحياة، وأريك ان الحياة ليست تلك الطريق المفروش بالورود والرياحين كما تتصورها مخيلتك الطفولية المكبّلة بقيود البراءة فى فجر صباكِ، ليقل ارتطامك وتعثرك على الأشواك وأشلاء الزجاج المفروش به، وأزودك أفكارا من وحي تجاربي الشخصية وأعلمك كمائن الفشل وأوكار الهزيمة، والطريق المفضي إليه حتى لا تطأ قدمك، ولا أحب أن أراك واقفة في محطة لطالما وقفت فيها ورحلت عنها مؤخرًا وبلا عودة.

وأخيرا عزيزتي لن أفرض عليك الأخذ بكل رأيي وأفكاري فنحن فى زمن انحدرت القيم، وضاعت المبادئ السامية وما زال الضمير فى سبات عميق، ولم ينتفض بعد والظاهر أنه مات منذ زمن بعيد، وأصبح فيه الغدر وجهة نظر، وطالت قائمة الحثالة من البشر، وبات مصطلح العدالة والأمن في عداد المفقودين..
لذلك أرجوك على الأقل أن تكون مثلي !

Share This:

عن أنيسة صلاد عبدي

أنيسة صلاد عبدي
كاتبة صومالية في مقديشو

تعليق واحد

  1. Avatar

    بارك الله الله لكما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *