الرئيسية » مقالات » الصوماليون والقرآن ( 1)

الصوماليون والقرآن ( 1)

سأحاول في هذا الطرح أن أتناول علاقة المجتمع الصومالي بالقرآن وهي علاقة جديرة بالدراسة والقراءة ، إلا أني سأحاول قراءة هذه العلاقة عبر نافذتي التي تعرفت من خلالها على القرآن ، وقد يكون ذلك تأريخا شخصيا أو تأريخا ينتمي إلى جيلي ، وقد لا يكون حديثي هذا في مجمله إيجابيا كما يُتَوقع ، الجانب الوحيد الأكثر إشراقا في القضية كلها هو حب الصوماليين الكبير للقرآن ، وحرصهم على تعلّم القرآن وتعليمه ، وهذه في الحقيقة منقبة عظيمة كادت أن ترفع شأن هذا المجتمع أكثر مما هم عليه لولا الأخطاء التي أُرتكبت في سبيل تحقيق ذلك، وهذا ما أنا بصدد الحديث عنه ، وأود أن أشير إلى أمور مهمة قبل الخوض في هذا الحديث.

الأول : يختلط على كثير من الناس لا سيّما فيما يخص أمور الدين بين المسألة وتبعاتها، أو بين الشيء ذاته وبين الأداء ، فالصلاة مثلا عماد الدين ، والنقد الموجه إلى أداء بعض الناس للصلوات لا يعني بالضرورة نقد الصلاة ذاتها ، ولا ينبغي أن يُفهم من كلامي هذا أنه نقد للقرآن ذاته ، ورغم أن هذا أمر أساسي إلا أنني أجد نفسي مضطرا إلى التوضيح لما أعرفه من ارتباط هذا المجتمع بالقرآن وهو ارتباط سطحي غير شرعي وغير منطقي.

الثاني : قد أتناول في حديثي بعض الأحداث غير السارة ، أو في سياق غير محمود ، وقد يبدو هذا التناول غاضبا بعض الشيء أو محاولة لإلقاء اللوم المباشر على من كان في يده القرار ،سواء كانوا آباء الأمور أو معلمين ، لكن الأمر ليس كذلك ، الغرض من هذا التناول هو تسليط الضوء على أمر مهم جدا ، ومُهمل جدا في سياق التناول الجاد ، و سأفسّر ذلك فيما يلي ، وينبغي أن أوضح بأن الغرض من هذا التناول تصحيح المسار من خلال تقديم صورة واضحة من الحالة الراهنة ، وما أذكره من مثالب سيكون من قبيل ما لا يتم الواجب به فهو واجب .

– ما هو الدوجسي ؟!

الدوجسي هو مصطلح صومالي مرادف لكلمة ” الكتاتيب ” وهي مؤسسات صغيرة تهدف إلى تحفيظ القرآن وتتواجد تقريبا في كل حي من أحياء المجتمع الصومالي سواء في القرى أو في المدن أو في المجتمعات الذين يعيشون في المهجر ، والغرض الأساس وراء هذه المؤسسات هو تحفيظ الأطفال القرآن ، قد يكون هناك بعض الدروس سواء في علوم القرآن كالتجويد أو في غيره من أساسيات الدين إلا أن ذلك ليس كثيرا في الكتاتيب التقليدية ، وغالبا ما يكون القائم على أعمال الدوجسي شيخ واحد مستعينا بالطالب الأكبر سنا والأجود حفظا ، ويسمى شيخ الدوجسي في المصطلح الدارج ” معلم ” و يصطلح على مساعده “كبير ” وتعمل هذه المؤسسات طوال الأسبوع ما عدا يوم الجمعة والنصف الأخير من يوم الخميس .

إذن هذه نظرة عامة عن ” الدوجسي” ويبدو هذا كله جذابا وبراقا فما المشكلة ؟!

أولا : القرآن من الشعائر الإسلامية إلى الممارسات التقليدية ؟!

هناك الكثير من الأمور الدينية التي أخذت بعدا مختلفا في الثقافة الصومالية ، بُعدا تقاليديا أكثر من البعد الديني ، وعلاقة الصوماليين بالقرآن واحدة من هذه الأمور التي أصبحت مع مرور الزمن أمرا من صلب الثقافة الصومالية وتقاليد المجتمع وفقدت في طريقها القيم الإسلامية التي كان من المفترض مراعاتها ، فالإنسان الصومالي حتى وإن لم يكن متدنيا إلا أنه مستعد بأن يعذّب طفله تعذيب أسير ثبت انتمائه إلى مخابرات الأعداء ، وذلك من أجل تحفيظه القرآن ، ولذلك لا يمكن أن نعتبر هذا من الشعائر الإسلامية رغم أن مجتمعنا يباهي بذلك أيما مباهاة ، وهذه مشكلة عامة يعاني منها المجتمعات الإسلامية بشكل كبير ، ألا وهي تحول الشعائر الإسلامية إلى مما رسات تقاليدية قد لا يجد المجتمع وقتا لفهم الحكمة من ورائها أو الهدف منه ، ورغم أن الصوماليين مشتهرين بالقرآن حتى في العالم العربي أو العالم الغربي ، إلا أنني لا أُسر كثيرا عندما أمعن النظر في حالة الصوماليين مع القرآن ، إنها علاقة قشورية لا تعدو في الغالب أكثر من كونها سمة من سمات الثقافة الصومالية ، فهم يحفظون القرآن وهذا جيد ، لكن الغالبية العظمى لا تفهم اللغة العربية البسيطة ، وليس اللغة العربية من اختصاصات الكتاتيب رغم أنها تشغل حيزا كبيرا من وقت الطفل الصومالي ، فالطفل يذهب إلى الدوجسي بُعيد صلاة الفجر مباشرة ويكون فيه حتى السابعة إن كان عليه الذهاب إلى المدرسة ، وسيعود بعد العصر مباشرة حتى المغرب ، وكثير منهم يبقى في الدوجسي حتى الظهر ، وكذلك في الإجازات الصيفية الجميع يبقى يومه كله في الكتاتيب ، كل هذا الوقت ولا يكون من نصيب الطالب إلا حفظ الآيات حفظا دون فهم ، وإن كان توجه الدوجسي كذلك ، فالمدرسة أولى بأن تهمل القرآن واللغة العربية التي يُفهم بها القرآن ، إذن يكبر الطفل وقد يكون حافظا لكتاب الله لكنه في غالب أمره لا يفقه شيئا مما يحفظ ، إلا لمن توجه إلى العلم الشرعي وهم نسبة من المجتمع غير كثير ، فأين الباقون ؟!

قد يقول قائل : بأن حفظ الجميع للقرآن أفضل من عدم الحفظ ، ويقول آخر : ألا يوجد في كل مسجد درسا في التفسير ، وهذا كله جيد ، لكن هذا النوع من الدروس يرتادها صنفان من الناس ، الصنف الأول هو طلبة العلم الشرعي ، والصنف الثاني كبار السن الذين ينتظرون العِشاء في المساجد ، ولا يوجد فرصة أخرى للإنسان الصومالي بأن يقترب من القرآن أكثر من حاله في الدوجسي ما لم يكن مختصا ، وأنا لا أتصور من الجميع أن يكونوا متخصصين في علوم القرآن ، لكن السؤال الذي أسأل نفسي هو الآتي : إن كانت هذه هي الحال ، فلماذا لا يكون التركيز على فهم القرآن ومدارسة أحكامه وعِبره أكثر من حفظه ، وهل حفظ القرآن واجب على كل مسلم ؟!
وهذا السؤال يجرنا إلى الأمر الثاني .

يتبع ….

Share This:

عن عبد الوهاب محمد عثمان

عبد الوهاب محمد عثمان
كاتب صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *