الرئيسية » مقالات » الصوماليون والقرآن “٢ “

الصوماليون والقرآن “٢ “

الثاني : التعذيب في سبيل التحفيظ .

ها أنا الآن أكتب وأشطب ثم أكتب وأشطب لأني في الحقيقة لا أعرف كيف ألج إلى هذا الموضوع بالذات ، وهو أكبر وأفدح خطأ اُرتكب فيما يتعلق في هذا المجال ، وكل من درس في كتاتيب الصومال يدرك تماما أن الدوجسي هو في الحقيقة مصدر ذعر وخوف بالنسبة للأطفال وسأحاول أن أصف علاقة الطالب بالمعلم أو علاقة الطالب بالدوجسي عبر تجربتي الشخصية التي بدأت في عام ١٩٩٧م حتى عام ٢٠٠٥م وهي مدة غير قصيرة البتة لا سيّما عندما يتعلق الأمر بالدوجسي .

علاقة الطالب بمعلمه كانت أشبه بعلاقة السجين بالجلاد ، هذا ليس مجازا ، لن يختلف جواب جيلي والجيل الذي بعده على هذا السؤال عن جوابي هذا ، والسبب هو أن الثقافة الصومالية في أساسها تنتهج العنف سواء كان ذلك في الأسرة أو في المؤسسات التعليمية ، ومعلمي الكتاتيب يقدمون أعتى صور العنف ، فهم في غالبهم بدويون لا يمتلكون ثقافة أخرى غير ما حفظوا عنوة من القرآن ، وسأشرح ذلك في نقطة قادمة ، لكن المهم هنا أن الرفق في قاموسهم يعتبر شيئا من الميوعة التي ينبغي أن يأنف منها المعلم الصالح ، ولا يعرفون في الحقيقة طريقة أخرى غير تلك التي حفظوا من خلالها القرآن ، نتج من ذلك عنفا غير منطقي البتة ، على سبيل المثال أذكر أنني كنت ألعب مع بعض زملائي كرة في عصر يوم جمعة عندما لاحظنا معلمنا من بعيد ، هرع كل منا إلى حذاءه وطفقنا نجري جري الغزلان من سبع كاسر مخافة أن يرانا المعلم ، وفي صبيحة يوم السبت دخل المعلم الدوجسي ونادا أسمائنا وأمرنا بأن نخلع قمصاننا ونعصب بها عيوننا ، وهذه طريقة معروفة جدا في أوساط الكتاتيب الصومالية ، وبدأ يجلدنا جلدا مبرحا على ظهورنا العارية ، فقط لأننا كنا نلعب في مساء يوم جمعة ، اليوم الوحيد الذي يفترض أن يكون إجازة ، وقد لا أذكر سني في هذه الفترة على وجه الدقة إلا أنني متأكد أن ذلك كان قبل سن العاشرة بكل تأكيد ، وقد تبدو هذا القصة كوميدية جدا في منظوري الحالي ومنظور كثير ممن لم يجرب مثل تجربتي هذه ، إلا أن ذلك كان منطق الكتاتيب الصومالية ، ونفس هذا المعلم حدثنا ذات يوم أنهم كانوا يخشون معلمهم لدرجة أنه إذا ظهر لهم من بعيد يهربون منه وذلك في سياق بطولي يجب الاحتذاء به ، وبالفعل قد أجبرنا على أن نتصرف بهذا الشكل كلما رأيناه ، فالمعلم هو كابوس الطفل الصومالي .

ومن أساليب التعذيب كذلك أن يعصب الطفل عينيه بقميصه ويجلس وسط الطلاب ويبدأ كل طالب من الطلاب بقرصه أشد قرص ، وهذه الطريقة تعرف بـ “والشمس ” ولا يوجد عمق في هذه التسمية غير أن الطلاب يقرأون سورة الشمس في هذه الطقوس ، وحتى هذه اللحظة لا أدري لماذا سورة الشمس بالتحديد ، إلا أن ذلك يفسّر عندي العلاقة الهشة بين الثقافة الصومالية وبين روح القرآن .

ومن أساليب التعذيب أن يمنع الطالب إذا لم يتمكن من حفظ ورده اليوم من الطعام ، فهناك فسحة لتناول الفطور في الساعة الثامنة صباحا ، يبقى كل من لم يحفظ ورده في الدوجسي بدون فطور حتى الغداء ، وأذكر أنني كنت أقضي عقوبة كهذه أحد الأيام ولم يكن في المكان سواي والمعلم الذي كان يأكل فطوره أمامي ، عندما دخل عليه زميل له ينعى إليه أحد المشايخ الكبار ، اكتشفت في ما بعد أن ذلك هو الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله ، لكنني لا أخفيكم سرا مدى فرحتي بذعرهم ، وكانت مصيبتهم كما يقال ، مصيبة قوم عند قوم فوائد ، وستتطور قصتي في الحقيقة من مجرد الشعور إلى رد فعل عنيف فيما يلي ، لكني كنت في ذلك الوقت لا أقوى على المجابهة ، وأكتفي بهذه المشاعر القبيحة .

كل ذلك في الحقيقة يهون أمام تجربتي في صيف عام ١٩٩٩م ، وسأحاول أن أصف لكم المشهد كما كان بالضبط ، في هذا الصيف الذي قرر ذوونا بأن يجمعوا الشباب كلهم في بيت واحد مع مرب ومعلم خاص حرصا منهم بأن نتفرع للقرآن أكثر ، كنا حاولي تسعة شباب أوأطفال إن صح التعبير ، فكنت في ذلك الصيف قد أكملت سني العاشرة بالتمام ، ولم أكن أصغر المجموعة ، كنت أنا وأشقائي وأبناء خالاتي نسكن في بيت واحد مع المعلم الذي سوف يشرف على نشاطاتنا اليومية في هذا الصيف الطويل جدا ، وإليكم الجدول اليومي لتلك النشاطات .

– يوقظنا المعلم قبل الفجر بفترة ونجلس جميعنا صفا واحدا أمام الحمام الوحيد الذي في البيت ويقع في حوش البيت كعادة البيوت في تلك الفترة ، ومدينة قرطوا التي كنا فيها معروفة بجوها البارد ، وبعد أن يتناوب الجميع على استخدام الحمام الوحيد والوضوء في الحوش الرملي نتجه جميعا إلى صلاة الفجر برفقة المعلم .
– بعد صلاة الفجر يجلس كل منا في ركن من أركان المسجد ويبدأ بقراءة القرآن وحفظ ورده اليوم والمعلم يجلس بجانب المحراب يراقب تحركاتنا وجها لوجه .
– مع شروق الشمس نسير خلف الشيخ إلى البيت ونجلس في الغرفة المخصصة للدوجسي لنبدأ فعليا يومنا بتسميع الورد عن ظهر الغيب .
– في الثامنة ونصف يأتينا الفطور وهو عبارة عن ثلاثة عنجيرات ” أكلة صومالية شهيرة ” لا أكثر مع كوب من الشاي ، ومن ظريف ما أذكر أننا كنا نطلب من بعضنا البعض التسميع الأولي للورد اليومي مقابل شيء من الفطور ، وكان هذا التسميع يساعدنا على الحفظ ويشعرنا بالثقة قبل أن نجلس أمام المعلم .
– نستمر في قراءة القرآن والحفظ والتسميع حتى أذان صلاة الظهر ويقودنا الشيخ إلى المسجد كالعادة ، وبعد الصلاة نتجه إلى البيت الأساسي حيث نتناول فيه الغداء ونرجع فورا إلى مهجعنا للنوم تحت إشراف المعلم .
– قبيل صلاة العصر يوقظنا الشيخ وتتناوب على الوضوء مثل ما فعلنا في الفجر .
– بعد العصر مباشرة نرجع إلى حيث كنا في الصباح ونبدأ مراجعة ما ينبغي مراجعته وحفظه بصوت عال جدا ، ويجلس المعلم في وسط الغرفة بينما نحن نتوجه إلى الجدران و أظهرنا إلى المعلم وكل من لم يسمع المعلم صوته تطاله يد المعلم بسوط أليم
وغالبا ما كنّا نشعر بالصداع بسبب الصراخ .
-عند أذان المغرب نتجه إلى المسجد ونفعل تماما مثل ما فعلنا في الفجر ونستمر في قراءة ومراجعة القرآن .
-بعد العشاء نهرع إلى البيت الأساسي لتناول وجبة العشاء ونرجع بأسرع ما يمكن ، أذكر جيدا أن الكهرباء كانت تنقطع في الساعة التاسعة مساء وكان ينبغي علينا أن نرجع ونرتب مضاجعنا قبل ساعة الصفر لننام منهكين ونعود إلى نفس الدوامة في اليوم التالي .

هذا تماما ما كنا نقوم به طيلة الأسبوع ماعدا الجمعة ، وبعيدا عن العنف الجسدي وأذكر فيما أذكر أن ابن خالتي ضُرب حتى فقد وعيه تماما ، لكن الضرر النفسي كان أكثر من ذلك بكثير ، فبإمكانك أن تتوقع طفلا في العاشرة من عمره مع هذا الجدول البئيس بدون لعب ولا استراحة ، كان الأمر أشبه بالسجن ، بل كان هو السجن نفسه ، ونصطلح هذا الصيف بصيف الشيخ محمود ، أشبه بالنسبة إلينا بعام الحزن أو عام الرمادة ، كان صيفا مميزا بالذكريات المزعجة ، ونتج من ذلك عنفا مضادا ورغم ما ذكرته من التنكيل علينا لم يسلم الشيخ نفسه منا ، إذ كيف يمكن أن تبيت مع أعدائك في نفس البيت بسلام ، لقد حاولنا بطبيعة الحال الانتقام لأنفسنا كثيرا وبشتى الطرق ، قطعنا ملابسه بحيث لا تكون صالحة أبدا ، رمينا مقتنياته الشخصية الصغيرة ، حتى وصل بنا الحال بأن نجمع شوكا وندس في فراشه ، وهذا بطبيعة الحال يجبره على مضاعفة العذاب .

هناك خطأ يحذر الأطباء منه في ما يخص تناول الأدوية ، يقولون بأن الدواء الجيد لا يجب الإكثار منه لأنه جيد ، فالإكثار منه لا يعني بالضرورة مضاعفة العلاج ، وأستطيع القول بأن ذلك هو الخطأ الأكثر فداحة في حياتي مع القرآن ، وأعتقد أن علاقتي المضطربة مع القرآن اليوم تلاوة ووردا سببها الرئيس نابع من تجربتي مع الدوجسي بشكل عام رغم أني لا أبريء العوامل الأخرى ، ولا أقدم هذا كتبرير لتقصيري الشخصي ، لكنني من خلال قراءتي الشخصية لتجربتي فإن الدوجسي تسبب بشرخ عظيم في علاقتي مع القرآن حتى نسيت كل ما حفظته ، ووصلت إلى مرحلة أستغرب فيها إذا وجدت شخصا جالسا في المسجد يقرأ القرآن دون التزامات ، كان ذلك شيئا لا يمكنني استيعابه إلى وقت قريب أن يأتي إنسان ما ويفتح المصحف طوعا ويقرأ القرآن تعبدا .

لنرجع إلى السؤال المهم إذن ، هل حفظ القرآن واجب على كل مسلم ؟!

لا شك بأن القرآن هو أساس هذا الدين الذين نؤمن به ، ولا أعرف ما هو أهم منه على الإطلاق في سياق الدين ، لكن حفظه غير واجب على كل مسلم ، وإن كان كذلك فلا ينبغي إطلاقا أن يكون الجلد في سبيل ذلك أعنف من جلد الزاني لا سيّما للأطفال ، إنها مفارقات عجيبة لو تناولنا المسألة بشيء من الموضوعية ، إلا أن العقل الجمعي الصومالي كعادة العقول الجمعية غير واع وغير منطقي وغير شرعي ، وهذه من الآفات التي لا نزال نعاني منها حتى اليوم .

يتبع

Share This:

عن عبد الوهاب محمد عثمان

عبد الوهاب محمد عثمان
كاتب صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *