الرئيسية » مقالات » الطريق نحو الأمل (1)

الطريق نحو الأمل (1)

خلفت الأوضاع التاريخية -التي تمر به الأجيال- للواقع آثارا مختلفة، منها الذكريات الحزينة المنقوشة في الصدور، الحروب ، الحب والسلام. وهلم جرا..

وكلما أحاول أن أكتب عن التاريخ تتسرب المشاعر الروحية في أعماقي وهي توحي إلي عن اللامحدودية؛ التاريخ التي لا يمكن للقلم أن يفيض فيها بحرارة شديدة صوب الأحداث التي تُحمل في جوانبها.

إنها التاريخ، عسيرة الهضم؛ لذا أتوجس أن لكل حادثة تعينت او لم تتعين تحنت معالمها الباهتة على جدران الايام والأزمنة ، ليأتي اليوم الذي تطيح بهِ عواصف التاريخ التي لا ترحم.

دعوني أغوص من أجلكم في أغوار التاريخ؛ لأجلب إليكم المصباح لينير دربكم نحو الأحداث المُمَرعة بذكريات الايام الخوالي.

استعدوا يارفاق! ،، نذهب إلى ضواحي قلعة الدورايش- الأرض التي انبعثت منها الحرية، ومرابع النضال؛ برهة من الوقت تأخدنا إلى رحلة تاريخة نحو مرافئ الداويش، لنتنزه النسيم العذب الذي يفوح من أنهار الحرية- الحرية التي كان جدي يقبل العرق الذي يصب من جبينه بإستماتة وكان فرحا لأجلها من صميم القلب.

إن الإنسان يخزن في داخله كيانا يعده إلى القتال من اجل الكرامة ، من اجل الحرية؛ لينال ما يتمنى من هذه الدنيا، إن هذه الرحلة التي نحن بصددها ترمينا إلى “أراضِ البونت”، البخور وقلعة الصمود ”Taleex” كان السير صعبا في النهار حيث كانت الشمس في وسط السماء وهي تجود الرعشات التي تحرق أكتافنا بسخاء؛ إنه لمريح جدا أن تشارف الشمس الغروب وتحني إلى كوخها بتدرج مذهل.

منذ الصباح الباكر إلى غروب الشمس كنا نمشي ولم تكِلْ أقدامنا عن السير، كان السراب الذي يخدعنا يتمايل أمامنا وهو يرقص كالمعتاد، هل هذا الطريق هو الذي يؤدي بنا إلى الساحل؟!، صدقوني ان كل ما في الامر أنني أبدعت بأن أخدعكم من خلال الكلمات، أتأسف عن هذا، دعك من كل هذا الهراء ، لنلتفت إلى الوراء قليلا، ما أجمل الايام في ساعتها ، أحن إلى هذا الجمال، وإلى طبيعة بلادي الجميل والنفيس. كنت فتاة في أوج حياتها ، جميلة وفاتنة في أوساط الحي التي تربعت في أزِقتها ، كنت رمزا كبيرا للأناقة وحسن الجمال في ذلك الحين.

ثمة ألقاب تعود إلى هذا الوقت الجميل ، مادامت منيحة جميلة المحيى لم تزل الألقاب تثير الضجة في آونها، ”عَوْرَلَى مُلَّاحُو” هذا الإسم يعيدني إلى زمن الاناقة والجمال، ألا تتذكر المقولة الشهيرة ”لكل زمن مضى لكان أفضل”.

كنت من ضمن الفتيات اللواتي كانت العوائل يستمدن بهن على قضاء الحاجات الضرورية في أوقات الترحال وغير ذلك من الأمور التي لا بد أن نخرج منها، علاوة على ذلك كانت الأحلام الجميلة تراودني ، كان المستقبل المشرق يلوح الشعار أمامي من حين لآخر، ما الذي علمني أن هناك مستقبل مشرق، لست أول من يتساءل عن هذا، كانت صديقتي تقف شاردة الذهن عندما سعمت مني هذا ، إنه لأمر مفزع جدا! ، ولكن أؤمن بأغلظ الإيمان أنني أقتنع بوجود هذا على الرغم من كل شيء.

يجب أن ينبثق من الوقت فجأة؛ ليقذفني إلى هذا الحلم الجميل الذي أحببته حبا جما، هل تكون الدنيا هكذا ؟!، من إحدى التساؤلات التي تجعلني أنام لتوها؛ ما أحلى الدنيا لو تسلك على هذا المسار طوال الوقت لنقوي إيماننا نحو هذا الطريق!، هل يبيع لنا القدر لنشتري منه؟..

لست أدري!، كنا نقطن في ضواحي منطقة النجال الشهيرة بمرابع الدراويش، هذه الحركة التي صارت في ذلك الوقت تقف أمام الإحتلال الذي لم يتورع من أن يزرع في أرضنا فسادا، وكنا عائلة في حالة جيدة من شتى جوانب الحياة، من الأنعام وكل ما يحظى بمرتبة عالية، كان جدي ينتمى إلى الطبقة العظمى ذوي العمائم البيضاء من رجال الدروايش!. لم نكن كثر!، وكانت عائلتنا متوسطة الحجم من ناحية أفراد العائلة، إلا أنها كانت مكونة من خمسة أشخاص؛ 3 بنين وبنتان، أمي “ذَهَبُؤْ ” كانت تحبنا حب الأمومة الذي لا يفنى أبدا ، وهي تغرد لنا بصوتها العذب ، تغني لنا بأشعار الحرية، هذه الأصوات كانت متوغلة في قلبي منذ الطفولة إلى هذا اليوم ، لم تزل المنطقة تنشد للحرية. تخيل ان الآباء يعانون بشدة من الظروف التي يتعرضون لها في مواجهة الإحتلال ، كان يسير ما بين قلاع الدراويش، مرة إلى قلعة “أَيْلْ” ، وتارة أخرى إلى جنوب البلاد ضفاف النهر، كان أبي “عِلْمي شيري” يشعرنا بروحه التي يحملها في داخله، هذه القوة التي تبعث السرور في نفوسنا عند سماع أشعاره.

هي ذكرى حزينة وآسرة معلقة في قلبي ، وستبقى شامخة إلى الأبد، ثلاثة من أخواتي ذهبوا إلى “بَلَدْوَيْنْ” حيث تزوج أبي هناك امرأة أخرى، بيد أنا وأخي الكبير لبثنا في “نُجَالْ” بعد ذلك، لم تكن الايام في في عهدها السابق ، فإن التغير النسبي الذي يجري في عروقنا جزء كبير من هذا الكون الذي نعيش في ثناياه ، ليس هناك حركة تكون كما بدأت من ذي قبل ، يجب أن يأتي التغيير. رسخت قوة الإحتلال في الجنوب ، ثمة أخبار غير جيدة تشير أن سلطنة “كينديد” في [هُبْيُو] جندت عددا كبيرا من الجيوش يعملون لصالح الإحتلال الإيطالي القذر، كما تشير الأنباء الواردة من هناك أن السلطنة في آخر اليوم وجدت دعما هائلا من الإيطالي هذا العدو الغاشم الذي يحاول بأن يجعلنا عبيدا له!، لا… ستكون الحرية باقية وممتدة إلى الأبد.

خاضت الدراويش لتوها حروب شرشة ضد هذا التحالف -والنصر كان حليف الدراويش منذ زمن إلا أن هذه المرة إنلقب السحر على الساحر!، ولم تكن النتيجة كما جرت العادة في الايام السابقة.

هزمت الدراويش، كانت الحروب وقعت قرب قلعة الدراويش ”Amin” في بَلَدْوَيْنْ. لم تكتفي الهجمات على مرابع الدراويش في الجنوب فقط، أتحدث عن تجربة قاسية؛ أنني أشعر بفزع كبير يسري في عروقي لما أتذكر هذه الأصوات – صوت المدافع وهي تقذف على رؤوس محاربي الدرويش.

تفاجأنا بما يشبه طيور تغرد بصوت مغاير وهي تصنع حشرحة لمَّا تقترب إلى الارض فتضع قذائفا بمعيار ثقيل، حتى بدأت قلعة الدراويش في ”Taleex” تتذمر ببطء، وصارت تئن كصوت صبي يبحث عن أمه، وتعالت أصوات المجاهدين بشكل يخطف عقلي ، حتى كدت أن أجن لشدة الولع، وبدت يداي ترتجفان. وبعد الحرب ذُكر لي أن امي كانت من ضمن ضحايا القذائف والصواريخ ، أمي انتقلت إلى بارئها في صباح باكر وبدون رجعة!، من هناك تبدأ رحلة شيقة لي ولأخي الكبير، وهي رحلة تاريخية لا يمكن أن تمحو من ذاكرتي.

بقلم/ علي محمد محمود.

ترجمة/ أبشر عبدي أمل.

Share This:

عن أبشر عبده أمل

أبشر عبده أمل
طالب جامعي يدرس قسم التجارة والمحاسبات في جامعة نجال، من مدينة لاسعانود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *