الرئيسية » مقالات » فصل في عيد الحب: يوم فالنتاين أم يوم مغيث (٣)

فصل في عيد الحب: يوم فالنتاين أم يوم مغيث (٣)

في العصور الاولى من تاريخ الاسلام ما كان الحديث عن الحب كعاطفة إنسانية مقدسة وليس كغريزة حيوانية مكروها ولا محظورا وانما انسجم الناس في ذلك مع فطرة الله التي فطر الناس عليها حيث شاءت إرادة الله ان يجعل في جوف عباده قلبا يذوب طربا من ذكرى الحبيب او يتصدّع كمدا لفراقه.

وقد كان الفقهاء كغيرهم من الناس يبهرون بالجمال ويعبر بعضهم عن هذا الشعور بغزل عفيف رقيق. وهذا عبيدالله بن عبدالله بن عتبة احد فقهاء المدينة السبع امتلات نفسه بعاطفة الحب ولم يستطع كتمانها. وقال في ذلك:

‎كتمتٓ الهوى حتى أضر بك الكتم … ولامك أقوام ولومهم ظلم

وقال ايضا وقد شغف قلبه بامرأة جميلة قدمت من مكة الى المدينة مستشهدا بفقهاء المدينة في حبها:

‎أحبك حباً لو علمت ببعضـه لجدت* ولم يصعب عليك شديد
‎وحبك يا أم الصبي مدلـهـي* شهيدي أبو بكر وأي شهـيد
‎ويعلم وجدي القاسم بن محمد* وعروة ما ألقى بكم وسعيد
‎ويعلم ما أخفي سليمان علمـه* وخارجةٌ يبدي لـنـا ويعـيد

والفقهاء الذين استشهدهم عبيدالله هم زملاؤه من فقهاء المدينة السبع: ابوبكر بن عبدالرحمن المخزومي والقاسم بم محمد بن ابي بكر الصديق وعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وخارجة بن زيد.

ولما بلغت هذه الأبيات الي سعيد بن المسيب قال: ” فقد امنت أن تسألنا ولو سألتنا ما طمعت أن نشهد بزور. وسأله البعض كيف يقول هذا الغزل وهو فَقِيه؟ قال: (لا بد للمصدور من ان ينفث)

وهذا ايضا هو الفقيه عروة بن أذنيه يقول:

‎إذا وجَدْتُ أُوارَ الحُبِّ في كَبِدِي * عَمِدتُ نحو سقاءِ القومِ أبترد
‎هَبْنِي بَرَدْتُ بِبَرْدِ الماءِ ظاهِرَهُ * فٓمٓنْ لنارٍ على الأحْشاءِ تَتَّقِدُ؟

‎هولاء فقهاء زهاد منسجمون مع فطرتهم دون تكلف او تعنت وليسوا مثل فقهائنا اليوم الذين اذا سمعوا كلمة “الحب” طاروا جزعا وسارعو الى الإنكار والتحريم وكأن بينهم وبينه عداوة قديمة.

‎وفِي محاضرات الأدباء، فيل لسعيد بن المسيب: ان اناسا يكرهون إنشاد الشعر فقال نسكوا نسكا أعجميا. فكذلك من يحظر الحب والحديث عنه تدينا كأنه ينسك نسكا أعجميا. وكان السلف يتحدثون ويناشدون اشعار الغزل في المسجد. وكان عبدالله بن عباس رضى الله عنه يجلس عمر بن ابي ربيعة -زعيم شعراء الغزل- بجانبه في المسحد الحرام ويسمع منه شعره في الغزل.
وسئل أبن سيرين في المسجد عن رواية الشعر في شهر رمضان إنّها تنقض الوضوء فقال:
نبئت إنّ فتاة كنت أخطبها … عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول.
ثم قام فامّ الناس

‎ اصاب الامة انحطاط عام في عصور الانحطاط في جوانب حياتها المختلفة. تعطل العقل فتوقف عن الاجتهاد وتجمدت العواطف فتوقفت عن الانبجاس وتبلدت الخواطر فتوقفت عن الإبداع وضمر الخيال فتوقف عن التحليق وماتت المشاعر فتوقفت عن الإحساس.

وقد بلغ المتصوفون الذروة في التعبير عن الحب في الاسلام. فالصوفي يسمى نفسه عاشقا وما عداه معشوقا. أحب الله فأحب خلقه فلا يرى في العالم شييا الا ويرى فيه عجائب قدرته وجمال صنعته حتى اصبح الوجود كله صورة مصغرة لوجود الله. ليس في قلبه شيي غير حب الله وحب مخلوقاته. حبهم أسمى درجات الحب وأعلاه فهو حب الأرواح وفناء الذات.
وقد قال قايلهم:
ادين بدين الحب أنى توجهت ركائبه * فالحب ديني وإيماني

ان تخصيص يوم من الأيام وجعله عيدا للحب ليس فيه ما يخالف الشرع، مثله كمثل تعيين يوم للمناسبات الاجتماعية الاخرى مثل يوم الام ويوم المعلم ويوم المرأة وغيرها من الأعياد التي ليس لها علاقة بالدين او العبادة وانما هي مجرد مناسبة لتذكير قيمة من القيم والإعلاء بشأنها والعمل على تنميتها وتطويرها. عيد الحب إذاً ليس الا يوما لتذكير قيمة الحب وأهميته في تقوية العلاقات الانسانية والأسرية والأخوية، وهذا مبدأ اصيل من مبادئ الاسلام. اما من يقول ان هذا جاء من الغرب فليس في ذلك علة كافية للتحريم. فكل ما جاء إلينا من أفكار وقيم وعادات نعرضه على مبادئ الاسلام رفضا وقبولًا بغض النظر عن مصدره.

من حق العلماء ان يشددوا على انفسهم ما شاءوا التشدد، ولهم ان يتزهدوا في الحب ما أرادوا التزهد، ولهم ان يتعففوا عن الحب ما وسعهم التعفف، ولكن ليس من حقهم ان يشددوا على الناس ويزهدوهم فيما أباح الله لهم من إظهار عواطفهم الانسانية. فان هم تشددوا فقد اباحه من هو اعلم منهم، وان هم تزهدوا فقد رغب فيه من هو أفضل منهم، وان تعففوا فقد خاض فيه من هو خير منهم.

ان منهج الاسلام في معالجة مثل هذه الامور من المباحات ليس منهج الحظر والتحريم والتكتيم، وانما الطريقة المثلى في ذلك هو ابقاء الإباحة الأصلية مع تنظيمها وضبطها في حدود الشرع ومبادئ الدين اذا كان هناك فيها بعض المخالفات الشرعية. فالرسول عليه الصلاة والسلام ابطل أعياد الجاهلية وجاء بعيدي الفطر والأضحى للمسلمين. وفي يوم احد عند ما قال بو سفيان اعل هبل، اعل هبل قال الرسول لاصحابه قالوا له : الله اعلى وأجل ثم لما قال لنا العزى ولا عزى لكم قال الرسول قولو له الله مولانا ولا مولى لكم.

واذا عرفنا ان الاسلام لا ينكر الحب كعاطفة فطرية نبيلة فانه ليس امام المسلمين في هذا الموضوع الا احد خيارين. اما ان يحتفل من شاء منهم مع العالم في ذكرى هذا اليوم كمناسبة اجتماعية. واما ان نجعل لنا يوما معينا بعيد الحب. واذا كان الغرب قد سموا عيد حبهم ” يوم فالنتاين” امتنانا وتقدير لدور هذا الراهب في تضحيته في سبيل الحب، فإنني اقترح ان نخصص للحب عندنا يوما نسميه “يوم مغيث”، تقديرا لدور هذا الصحابي ومعاناته وإخلاصه للحب، فنقول لهم حينئذ: لنا مغيث ولكم فالنتاين. وقبل ذلك اليوم فلا لوم على الشباب اذا احتفلوا بيوم الحب ويقوي المتحابان من المتزوجين ما ضعف من حبل المودة وينفضوا عنه ما ران عليه من غبار الأيام. ولا جناح على الرجال اذا قدمن الهدايا لأزواجهن تعبيرا عن تقديرهم لدورهن وتصحياتهن في سبيل استقرار العلاقة الزوجية. ولا حرج على الزوجات ان يدخلن الفرح والسرور على قلوب شركاء حياتهن ويجددن حبهن وثباتهن على العهد.

ولا يظنن احد بِنَا الظنون ولا يسرح بخياله المسارح؛ فحديثنا مقصور على الحب العفيف الفطري الذي جعله الله في قلوب عباده، وهذا من جنس الأرواح وليس من جنس المادة، فالاول يسمو الى السماء وتتألف فيه الأرواح والثاني ينحط الى الدرك ويهتم في الجري وراء الشهوات. وقد روي عن الرسول عليه السلام انه قال ” ما رايت للمتحاببن خيرا من النكاح” اي الزواج. ونفهم من الحديث انه لا باس بالحب بين فتى وفتاة، ولكن العلاج الناجع للحب هو تتويجه بالعلاقة الزوجية. فالزواج هو الذي يعمق الحب ويسمو به ويعطيه معنى انسانيا ” هو الذي خلق لكم من انفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة”. والفرق بين الحب الزائف والحب الحقيقي لا يظهر الا في الزواج؛ لان الحب فبل الزواج كمثل النائم الحالم يحلق في السماء وبعد الزواج يهبط الى الارض ويتحول الى مسئولية. فالحب الحقيقي ينمو بالزواج ويترسخ بالمعاشرة، اما الحب الزائف قيتلاشى بالزواج ويضمحل بالمعاشرة.

الحب وحده لا يبني البيوت. فالزواج في الاسلام مسيولية ومعاشرة وسكن ومودة ورحمة. فقد جاء رحل الى سيدنا عمر بن الخطاب يخبره انه يريد فراق زوجته لانه لا يحبها فقال له عمر قولته الشهيرة ” أو كل البيوت تبنى على الحب، فأين الرعاية وأين التدمم؟”. وللاسف، حب كثير من شبابنا وشاباتنا اليوم شبيه بهذا الحب الحالم الذي لا يصمد في وجه معترك الحياك الزوجية الحقيقية، ومن ثم يتلاشى ويسقط في اول اختبار حقيقي له على واقع الحياة وامواجها الهائجة وما يعرض له من المشاكل والعقبات التي تحتاج الى صبر ومصابرة ومثابرة وتحمل وما الى ذلك من انواع الرعاية والتذمم.

ونختم هذا الفصل بفتوى فاصلة وعميقة لشيخ الأدباء وأديب المشايخ على الطنطاوي، وعند جهينة الخبر اليقين حيث يقول ” ما في الحب شي ولا على المحبّين من سبيل، إنّما السبيل على من ينسى في الحبّ دينه أو يضيّع خلقه، او يهدم رجولته، أو يشتري بلذّة لحظة في الدنيا عذاب ألف سنة في جهنّم”. فكل فتوى بعد فتياه هذه لاغية، وكل قول بعد قوله هذا هذر. وقد تعمدت في جعل قوله هذا في خاتمة المقال لأنني كنت اعرف ان اي كلام بعد كلامه هذا ليس الا لغوا من القول.

ختاما، ايها الأصدقاء اكثروا ذكر الحب في يوم الحب، وقولوا “احبك” لمن تحبونهم فبل فوات الاوان.

المراجع:

١- الجواب الكافي لابن القيم.
٢- طوق الحمامة لابن حزم.
٣- محاضرات الأدباء للأصفهاني.
٤- من غزل الفقهاء على الطنطاوي
٥- مصارع العشاق للدكتور زكي مبارك.
٦- العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق

Share This:

عن عبدالواحد عبدالله شافعي

عبدالواحد عبدالله شافعي
كاتب وباحث صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *