الرئيسية » مقالات » فكر بالمستحيل (1)

فكر بالمستحيل (1)

عندما تنفض الأمم عنها غبار السقوط، وتراب التعثر وتلملم حالها، وتغير وضعية القعود قبل أن تقوم بأرجلها إستعدادا لتغيير الحال، وترميم الأفكار، وتصحيح المسار، وتحديد الهدف والغاية، وتعديل السؤال؛قبل الجواب؛ لا بد أن يفكر قادة الرأي فيها طويلا، وأن يعرق الجبين، ويحدودب الظهر، وتشتكي الأطراف من الألم، و يتوقف البلعوم عن البلع، وتغار الأعين من شدة النظر وطول الإنتباهة؛ كل هذا لتكون أمة غير كائنة، وتستيقظ جيوش في أفرش النوم ساكنة، وتسعد وجوه ما زارها سكون ليل ولا فسحة نهار في أيامها السالفة.

إنها من غرائب الدهر، وسوء الطالع، وتنكب الطريق، أن تظهر في الآونة الأخيرة شركات للقارات عابرة، ومصانع عملاقة، ودول متقدمة، وغزو للفضاء، وثورات رقيٍ متنوعة في كل مجال ثم لا يكون لأمتك نصيب ولا لجيلك سهم أو حتى مليم؛ في التكنولوجيا عمالقة الإبتكار والإبداع كما قال تقرير لمجموعة بوسطن نشر حديثا هم : آبل وغوغل ومايكروسوفت وأمازون وسامسونغ.

هل ترى أمتي في تلك القائمة؟ أم إنها مقدرة كما تقدر حركات الإعراب على الإسم المقصور أو في بعض حالات الإسم المنقوص؟ لقد خلا عالم التكنولوجيا لأمم وجماعات أخر فباضت فيه مع صفيرها الخلاب الذي غزت به عقول أبنائنا معلنة بذلك أن المغلوب يتبع دين الغالب وتقلد مشيته مهما كانت ركيكة.

في عالم المال الرقمي وأسواقه ترى أسماء مثل فوركس وبيتكوين وفاليدتي. ومن العجب العجاب أننا لما ينتجونه مستهلكون ولما يصدرونه مجربون فهل خلق العالم ليفكر بعضه ويستهلك الآخرون حتى ولو كان المنتَج علقما وصديدا؟!.

في البيان الإقتصادي للدخل القومي للدول ( GDP rank) هناك خمس دول تساهم بالثروة العالمية بحوالي نصف الثروة لا يوجد بينها دولة مسلمة واحدة ولا في العشر الأولى التي تشارك بنحو ٦٧% من ثروة العالم ولا في الخمسة عشر الأولى عالميا وحديث نبينا بيننا ينادي( نعم المال الصالح للرجل الصالح) رواه الإمام أحمد وصححه الألباني.

وربما لا يخلوا كل هذا البحر الخضم من السلبيات بصيص أمل ففي مؤشرات جودة التعليم في العالم يوجد مثل دولة قطر التي حلت رابعا عام ٢٠١٦ والإمارت التي حلت عاشرا أما قومي في الصومال فهم خارج المؤشرات في معظم تلك التقييمات.

ورغم أن أمتنا تقع في سرة العالم وأهم الطرق للملاحة الجوية والبحرية أو التجارة البرية فيها لكن حتى هذا لم يستفيدوا فأهم الأسواق في غيرها وكذلك أسواق الأوراق المالية العالمية تقاسمها آخرون ولم يكن فيها لأمتي مكان أو نصيب.

الأماني باطلة:

ليس عيبا أن تصرع في حلبة السباق لكن ماذا يقال إذا لم تدخلها أصلا؟! في قديم الزمان أجاب الصوماليون عن هذا وأجادوا حين لخصوه بحكمة تقول:( Ninkii seexdaa sicii dibi dhalay) ومفادها أن النائم لا يستطيع حتى أن يضمن لماله سلامة فكيف بتطور أو تقدم؟ لكن نام القوم بعد أن قالوا فتحول كلامهم إلى ثرثرة لا تسمن ولا تغني من جوع، ومن يجاورنا من باقي الأمة الإسلامية قالوا في قديم الزمان عبر شوقيِّهم:

وما نـيل الـمـطـالب بالتمنـي***ولـكـن تــؤخـذ الـدنـيا غلابـا

وما استعـصى على قومِ منالٌ***إذا الإقـدام كـــان لــهـم ركابا

لكن لم يحسن كلا القومين فعلا ولا سلوكا فصدق فيهم التنبيه الإلهي الذي قال:( يا أيها الذين أمنوا لم تقولون مالا تفعلون*كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون).سورة الصف.

لم يكن يوما سلوك عالم الرجال ومغالبتهم فيه مفروشا بالورود ولا مزركشا بألوان تلمع وتبرق ولم يكن يوما يرحب فيه بالرجال بأيد مصفقة ولا بشفاه مزغردة ولا بطيور على جنبات الطريق مزغزغة، و مادام ذلك كذلك وهو كذلك لا بد من كد وتعب وسهرة ليال والسرى في أخرى وما أصدق الشافعي حين قال على هذا المنوال :

بقدر الكـد تكتسـب المعالــي***ومن طلب العلا سهر الليـالـي

ومن طلـب العلـى بغيـر كدٍ***أضاع العمر في طلب المحالٍ

إنها الدنيا تسير وفق سنن كونية لا محابات فيها لعابد ولا لمعاند، الكل في قواميسها سواء والكل إما مجتهد مصيب أو كسلان عاجز مخيَب، ولقد قال القرءان كلمة الفصل في أن الجميع أمام تنكبهم الطريق سواء: ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) فالأماني و الأحلام الزائفة وقول البعض بلا تخطيط ضرب من ضروب الجنون وخبَل عقليٌ وختلٌ للنفس وكأن صاحبه يسقي إبلا بأصابعه التي لا تستطيع حتى تروي ظمآنا من البشر.

فكر بمستحيل حتى تبدو للناس مجنونا..

( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍا).

تدعو هذه الآية بنصها أن يفكر القوم قبل أن يحكموا بجنون محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه وأحبابه لكن تساءل مفكرا أو متفكرا ما هذا الجنون الذي جاء به نبي الرحمة؟ إنه مخالفة المألوف ومحاداة القوم ومغايرتهم، إنه الخروج من قفص عدم الإبداع، إنه ترك الآلهة المصنوعة من خشب التي توهمها القوم في لحظة غياب العقل وتسريحه أنها أرباب تعبد وآلهة تحكم وكل هذا كان كابوس نوم لرجل خاض جدالا مع إبليس فانتصر عليه فانقاد له وعبد.

إذن. الجنون أن تأتي بجديد وتحارب كل صنم عتيد وتخرج من كل كوخ بال، وتطرح كل عقل سقيم وتحارب كل رديء غير مفيد.

أن تخرج من القبلية وإن شاءوا من قبيلتهم، أن تساهم في تدمير باطل تُوُهم أنه حق فيه من الله ألف سلطان وبرهان، لا بل يجب أن تتقدم للأمام غير عابئ بصعوبة أو قل بسذاجة لأن الدنيا أصبحت للبلهاء الساذجين ونحن أكبر من أن يقود مسيرتنا ساذج أو بليد.

ألا ترى أن القبائل أصبحت أغلالا والحركات حبالا بها يكبل كل مفكر هادف وكل متحرر لقومه ناصح وكل ساع بكل قوته نحو الصلاح والإصلاح.

هل بقي فينا صاحب همّة وهل فينا من يريد لقومه قومة أو قيامة من جديد فلتبصر طريقك واضحا جليا إذن!.

Share This:

عن محمد نظيف شوكاني

محمد نظيف شوكاني
كاتب وأكاديمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *