الرئيسية » مقالات » أختي الكبرى أختكم!

أختي الكبرى أختكم!

لها صفة واحدة، أختي الكبيرة، لم أتخيل يوما ما أن لها صفة أخرى غير ذلك! ، ليست شقيقتي! ؛ لكن كل ما فيها يخبرني أنها اختي الكبرى، أحبها، أحترمها، أشتاق لها، كلامها عندي كحد السيف، هي حقيقة لا يشوبها شبهة مشاعر جياشة، نور ليس له إنطفاء، – لكن مع كل الأسف- أختي ذو مشاكل ككل النساء، مشاكلها تكمن في قلبها، عطفها، شعورها الدائم بالمسئولية، حنينها، كتفها الراسع الذي يحمل عبء الكل، وقلة حظها بأن لا تجد من يمسك يدها إذا تعثرت، ولا من يسندها، ولا من يعذر لها اذا أخطأت، كيف تخطئ وهي الأخت الكبيرة؟!، كيف تقع والكل في كتفيها؟!، كيف تعرج وهي تعرف أن لها أكتاف وليس لها أقدام؟!، من أخبرها أنها كبيرة من قال لها لا تتحركي كي لا يقع أحد؟!، من سرق قلبها لتكون هكذا عقلانية؟!، من خطف منها زهو الشباب، براءة الأطفال، دقات القلب، طيش العمر، جنون العشرينيات، من ومن…!

أدرك ان الجواب واضح جدا، لا يحتاج الى بحث او سؤال حكيم، من يكون المجرم غير البيئة القبيلة المحيطة التي من سوء حظها ولدت فيه؟!، من المجرم غير هذا المجتمع القاسي الجاهل الذي لا يرحم لأحد، يهتم لمصالحه فقط، – هذا الذي اسمه المجتمع- يفرض على أختي الكبيرة ان تعيش في البؤس؛ ليتنفس هو أن تتكبد القسوة!، انعدام الإحساس والأمان والجمال؛ ليبقى هو واعرافه وتقاليده البائسة تطل تحت جناح رحمته، لا تظنها ضعيفة هي قوية بشهادة الرجال اذا غضبت، يتحاشاها الكل، لكنها لن تغضب لن تثور لن تنتفض؛ لأنهم ايضا أخذوا عنها اختيار الغضب أولا، فإذا غضبت يسألون اختي لا تجب عن الأسئلة!، فإذا أجابت يمطرون عليها الإستفسارات!، اختي لا تحب البوح، ولا تحب أن تبدوا منكسرة أن ينهمر دمعها أمامهم، هي تعرف أنهم يتغدون من كبريائها لكنه كبرياء، واذا استغلوه ألف مرة لن تتنازل عنه هي دونه لا شيء، إذا أحبت تغدق في العطاء، تقبل، تتلهف، تشتاق، تغني، تنظم القوافي، وترسم السعادة بثغرها الباسم؛ لكن اختي لا تحب أبدا، لم يبق في قلبها عطف، أخذوه، فلا شوق إلا و دمروه، ولا بسمه إلا زيفوها بحمل ثقيل.

كانت – في بيت أبيها بمثابة- الأخت الكبرى، تعد الطعام، وتلبس الأولاد، وترسلهم إلى المدرسة ، فكبرت، و الصغار – بدورهم- لم يشتاقوا لها، ولم يشعروا أنها الكنز والأم الثانية، أدفنت جرحها، ورحلت إلى بيت زوجها الذي فيه كل أمنياتها، أن لا تكون الكبرى!، ومرة أخرى أصبحت الكبيرة، عوائل عائلتها، وعائلة زوجها، وعائلة ابيها، إذا حدث شيء لأخيها، انجدته، واذا اشتدت الحياة على زوجها أسعفته، و اذا احتاجت لها اخت الزوج أقبلت إليها، ليست هنا ، أمانة وتعود تنظر إلى يمينها وشمالها وأمامها وخلفها لا تملك أي شيء، أخوها لا يشتاق لها زوجها، لا يحس بها ابيها، ستر عليها وأدى مهمته كالسماء تماما، الكل يستطل بها ولا احد يقيها من حرارة الواقع، ولسعة المجتمع؛ لتجلس قرفصا عندما تنجز آخر مهمة لها تجاههم قبل ان تذهب إلى النوم، وتخبر الليل ان يهبها الجلد الكافي لتنتظر الفجر الآتي.

قلب أختي لا يشيب ابدا، القلب الحزين لا يشيب، كلما تكويه نار الحزن يغدوا أصغر، طامئا للفرح أكثر، ذات يوم اشترت فستانا جديدا، كانت مبسوطة به جدا دائما، تشتري احتياجاتها اذا بقي لها القليل القليل منهم، هي اخر من تأكل، وتلبس، وتنام، قاست الفستان وسئلتني : كيف تبدوا هل لاق بها، ولأنها اختي الكبرى وجب علي شل حماسها، وقول الحقيقة، قلت لها: انت دائما جميلة بعيونك الغامقة من الحزن، بدمعك الذي تحجر في مقلتك، ببكائك الذي لم يجد حنجرة؛ كأن الفستان مثلك يا اختي، لونه بنفسجي غامض، لا يعرف ماذا يرمز له، هل غضب أو كبرياء أو حزن أو خذلان، هو مع قوة لمعانه الأسود، يتخلل اليه هشاشة بياض فتكون هكذا فخما.

أنظري يا أختي اكمامه واسعة وتارة يبدو ضيقا، كأنه يقول لا تعط اكثر، ولكنك تصرين بأن تعطي لوقت النفاد، لكن أتعرف يا أختي هذا الثوب حق ما يمثلك، هو الان جديد يلمع بشدة، لكنه سيتوسخ غدا، وانت – لتحافظي عليه- ستغسله بالتأكيد، فيعيد لك نفس المنوال، ببقع وسخة، وتعيد انت الكرة، إلى أن يختفي هذا اللون الساهي واللامع الآسر، ويصبح أقرب للسود أو البياض كما انت بالتمام، يا أختي سيصبح مثلك باهض اللون والنور، ولن يبقى بالأخير إلا خرقة بالية لن تجذب أي أحد ولن تفضح جمالك، وأنت ستضر لأن تحتفظ به بوفائك ومسؤليتك وعطفك؛ ولأنك تحفظ العشرة سيظل في الخزانة محفوظا مكرما موقورا فقط؛ لأن فيه رائحة ماضيك فقط؛ لأن فيه لهفت اعجابك الأول، ولن اقول ما فائدته، لكن أقول لهم ما فائدة عيونكم وذوقكم واختياراتكم إذا لم تستطيعوا أن تقدروا أي عزيز، أو توقروا اللحظات الماضية وتحفظوا أشياءكم العتيقة، أيها الصغار من أجلكم اشتاقوا لأختكم الكبيرة، استشعروا قدرها، اعيدو لها بكارة قلبها، هل يستحق البنفسجي أن يراق لمعانه الزاهي؟!، هل تستحق زهرة اللوتس البنفسجية أن تدبل في زقاق الإهمال أن يراق؟!، عطرها الآسر من أجلكم، حررو اخواتكم من وطئة جهلكم الشعوري والحسي، أختي الكبيرة يهمها المعنى، اللحظة، الضمة، البسمة، يامجتمعا لا يعرف نسمة الليل ولا شروق الشمس، ولا عطر الورد، ولا قلب المرأة، يامجتمعا أغلقه العنف أغرقه الجهل!!.

Share This:

عن إكرام إبراهيم

إكرام إبراهيم
كاتبة وشاعرة صومالية - لاسعانود

تعليق واحد

  1. Avatar

    ماشاء الله
    مقال جميل جدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *