الرئيسية » مقالات » فكر بالمستحيل (2)

فكر بالمستحيل (2)

التفكير عمل له أجره في الإسلام:

التفكير عمل العقل وهو لا يكون في فراغ ولا عن فراغ وإنما بالإسترشاد بقوانين الكون وسننه ومعارف الإنسان وإنتاجه ولذا قال القرءان بنصه : (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) فقد فكر الممدوحون في هذه الأية بعقلهم ولبهم بآفاق هذا الكون فرأوا إتساعه ونظروا في فجاجه فرأوا فيه للإله إبداعه وساروا في مناكب الأرض فرأوا للرب نعما ظاهرة وباطنة وتفكروا في سماءه وأرضه فكانت لهم الأرض سلة والسماء زينة تحقيقا لقول الله تعالى: (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير) مع قوله تعالى : (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في كدمناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ) فكانت النتيجة الصارخة التي أعلنت عنها العقول والألباب بعد طول مكث ودراسة أن باحت بكل وضوح (ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار).

يقول صاحب الظلال عند تفسيره لهذه الآية : “إن التعبير يرسم هنا صورة حية من الإستقبال السليم للمؤثرات الكونية في الإدراك السليم وصورة حية من الإستجابة السليمة لهذه المؤثرات المعروضة للأنظار والأفكار في صميم الكون بالليل والنهار والقرءان يوجه القلوب والأنظار توجيها مكررا مؤكدا إلى هذا الكتاب المفتوح؛ الذي لا تفتأ صفحاته تقلب فتتبدى في كل صفحة آية موحية تستجيش في الفطرة السليمة إحساسا بالحق المستقر في صفحات هذا الكون وفي تصميم هذا البناء ورغبة في الإستجابة لخالق هذا الخلق ومودعه، هذا الحق مع الحب له والخشية منه في ذات الأوان وأولو الألباب أولو الإدراك الصحيح يفتحون بصائرهم لاستقبال آيات الله الكونية؛ ولا يقيمون الحواجز ولا يغلقون المنافذ بينهم وبين هذه الآيات ويتوجهون إلى الله بقلوبهم قياما وقعودا وعلى جنوبهم فتتفتح بصائرهم وتشف مداركهم وتتصل بحقيقة الكون التي أودعها الله إياه وتدرك غاية وجوده وعلة نشأته وقوام فطرته بالإلهام الذي الذي يصل بين القلب البشري ونواميس هذا الوجود ومشهد السموات والأرض ومشهد إختلاف الليل والنهار لو فتحنا له بصائرنا وقلوبنا وعقولنا وإدراكنا….”

ملاحظة عجيبة :

ألا ترى معي أن القرءان يقول في التفكير بأنه في القيام والقعود وحال الإضطجاع والإتكاء أي أنه يستغرق جميع حالات الإنسان وهذا يوحي بأن التفكير لا يتوقف أبدا وهو حالة وصفة وخصيصة وميزة آدمية ومن فقد تيك الميزة فقد خلع ثوب الآدمية وتدثر بفروة الحيوان فلا عقله عقل بشر ولا إهابه إهاب إنسان ومادام ذلك كذلك وهو كذالك لا بد من إعمال العقل وفكه عن عقال الأسر ليستنير بما هو قائم من آيات الكون وآيات القرءان ويبدع في دنياه ثم يستلذ بنعمة الإيمان التي لا ينتج التفكير إلا إياها، وهذا يدلنا أن التفكير له أجر في الإسلام فلو لم يكن شيئا بلا قيمة لم يكن ليردده القرءان في صفحاته ولا مدح به المؤمنين قال تعالى( والذي جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) والمفكرون في خلق الله لأجل أن يزدادوا إيمانا ويطمئنوا؛ هم في مصاف المجاهدين في الله والله يهديهم سبيل الرشاد.

التفكير مصنع الريادة:

إن الإمم لا تتقدم على بعضها البعض إلا من خلال الخطط المدروسة التي تضعها والخطط عمل عقلي يقوم بالتفكيك ثم بالربط ثم بالإبداع ثم بالتطور وينتهي بقهر الكون من خلال هذا التفكير المبدع ولقد كان مالك بن نبي خط كتابا تحدث فيه عن مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي وأشار بأن الإنسان تتردد حاله بين عوالم ثلاث وهي: الأشخاص والأفراد والأفكار، ووصل إلى نتيجة مقنعة بأن الأمم أيضا تتردد بين تلك العوالم الثلاث ولكن قبل أن نقول شيئا عن تلك العوالم أنظر معي تلك اللفتة القرءانية العجيبة إلى مجالات التقدم والريادة في هذه العجالة :-

يقول القرءان في سورة (الذاريات): (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ) من أين تكون علوم الجيولوجيا والمعادن والنفظ وعلوم الزراعة والبيئة وتقليب التربة حتى تتحول إلى ذهب خالص أو أنواع من العطور وهو ما يسمى بالعلوم الأرضية فكما في موسوعة ويكيبيديا تتنوع هذه العلوم إلى ما يلي :

١. أغلفة الأرض وتدرس فيها علوم منها :
أ. جيولوجيا: علم يختص بدراسة الأرض وقشرة الأرض بشكل عام
ب. جيوديسيا: يدرس شكل الأرض وتفاعلها مع القوى إضافة لحقولها الكامنة.
ج. علوم التربة: تدرس علم نشوء وتطور مكونات التربة وتقسيمها.
ح. علم الجليد: أو الجلاسيلوجيا يدرس الأقسام الجليدية من الأرض.

ومنها أيضا علوم أخرى كثيرة منها : علم الغلاف الجوي وجيوموروفولوجيا التي تدرس التضاريس وأنواعها، وتوابع ذلك العلم من : علم اامعادن، وعلم الصخور، وجيولوجيا بنيوية، والجيو فيزياء، وجيولوجيا فيزيائية، وعلم الزلازل وعلم الأعاصير،
والعلوم المتفرعة منها وهي كثيرة ولا يمكن سرد كل ما جادت به العقول من علوم الأرض هنا، وإنما الذي يهمنا هنا هو التساؤل هل جادت العقول بهذه العلوم وهي لا تنظر إلا تحت رجليها أم فكرت وفكرت وأبدعت ؟

لا بد أن الجواب هو الثاني منهما أي أنها فكرت وأبدعت لكن الإستجابة لهذه الآيات الكونية يبقى مرهونا بتعامل العقل معها فربما بعدها يتبجح ويتكبر ولا يذعن.

وانظر أيضا الآية التي تليها لتقول لك بصراحة (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) أفي إشارتها فكر الإنسان في إنتاج علوم النفس وعلوم الطب وعلوم الإجتماع وعلم الوراثة والأجنة وعلوما أخرى كثيرة لا مجال لبسطها الآن أم ألهمه إلى هذا شيء آخر؟ لا نعرف هذا الآن، لكن الذي نعرفه أن الآية تخاطبنا نحن المسلمين بوضوح وتقول لنا فكروا في ذواتكم وفي أنفسكم من أبدع هذا الخلق الجميل الذي يقول عنه القرءان في موضع آخر (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) ولا يكون هذا التفكير أن نقف مشدوهين أمام الحقائق فقد ولكن أن نطور كيف نبنى هذا الإنسان بناء صالحا ونحافظ على صحته وسعادته كما فعل المسلمون قديما بهدي قرءانهم وكما يفعل غيرهم اليوم بهدي الأولين من أمة الهدى.

ثم تعالى إلى الآية الثالثة منها (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) وتفكر كم من العلوم أنتج الإنسان وهي تتعلق بالسماء وعلم أجرامها وكواكبها وأفلاكها ومواضع نجومها ومجموعاتها الشمسية وأغلفتها الجوية وغير ذلك مما جادت به العقول بعد تفكر وتمحيص لهذا الكون الجميل ومكوناته.
ثم لنأتي إلى أنفسنا نحن الصوماليين ولنقول بصراحة هذه الأمة النائمة التي تغط في نومها العميق ويسمع لها شخير مزعج ولا تنتبه إلا حين يذكر منصب وزارة ظفر بها أحد أبنائهم هل تنتج شيئا أمة هذا حالها وتتنكب طريق الدراسة والبحث وقراءة المكنون قبل الظاهر بأسئلة عقلية جريئة تنفذ إلى أعماق الأعماق لتستخرج اللآلئ في عمق بحر مظلم و متلاظم .

عودة إلى البداية:

إن من الأمم من لم تزل في طور الطفولة ولم تدر دورها ولا مهمتها في هذا العالم يقول مالك بن نبي في كتابه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي ما نصه : “المجتمع المتخلف ليس موسوما حتما بنقص في الوسائل المادية (الأشياء) ، وإنما بافتقار للأفكار، يتجلى بصفة خاصة في طريقة إستخدامه للوسائل المتوفرة لديه، بقدر متفاوت من الفاعلية، وفي عجزه عن إيجاد غيرها، وعلى الأخص في أسلوبه في طرح مشاكله أو عدم طرحها على الإطلاق؛ عندما يتخلى عن أي رغبة ولو مترددة بالتصدي لها” صفحة ٣٦

هل تظن أن مجتمعا لا يستطيع طرح مشاكله بصورة عقلانية واضحة يستطيع أن يتأهب لريادة منطقة أو إقليم أو حتى قيادة نفسه؟ لا. فالمجتمع الذي في طور الطفولة ولا يمكن حتى أن تُعرف مشاكله، يجب أن تأخذ بيده أمم أخرى فتتلاعب بمصيره ومسيرته ومستقبله يقول مالك بن نبي بعد كلامه السابق أن: “هناك فاقة حقيقية في الأفكار تظهر في المجال السياسي والإقتصادي، على شكل موانع كابحة” فالفقر ليس بالأرض وقلة خيراتها ولا بالسماء وقلة أمطارها إنما الفقر والفاقة الحقيقية هي بلادة تلك العقول وعدم نباهتها واستحمار الإنسان لنفسه وعدم تحرره وترك الحبال حبال الحرية في يد تافه لا يدري شيئا.

قال قاسم الشابي وهو يخاطب الأرض وهي تخاطبه في حوار تخيلي جميل :

وَقَالَتْ لِيَ الأَرْضُ – لَمَّا سَأَلْتُ * ” أَيَا أُمُّ هَلْ تَكْرَهِينَ البَشَر؟”
“أُبَارِكُ في النَّاسِ أَهْلَ الطُّمُوحِ * وَمَنْ يَسْتَلِذُّ رُكُوبَ الخَطَر
وأَلْعَنُ مَنْ لا يُمَاشِي الزَّمَانَ * وَيَقْنَعُ بِالعَيْشِ عَيْشِ الحَجَر
هُوَ الكَوْنُ حَيٌّ ، يُحِبُّ الحَيَاةَ * وَيَحْتَقِرُ الْمَيْتَ مَهْمَا كَبُر
فَلا الأُفْقُ يَحْضُنُ مَيْتَ الطُّيُورِ * وَلا النَّحْلُ يَلْثِمُ مَيْتَ الزَّهَر
وَلَوْلا أُمُومَةُ قَلْبِي الرَّؤُوم * لَمَا ضَمَّتِ المَيْتَ تِلْكَ الحُفَر
فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْهُ الحَيَاةُ * مِنْ لَعْنَةِ العَدَمِ المُنْتَصِر!”

تفكيرنا بالمستحيل:

تفكيرنا بالمستحيل هو مستحيل بالنسبة للعاجزين والكسالى ولكنه ليس كذلك بالنسبة لمن يريد لقومه فلاحا ولجيله نجاحا ولبلاده تورا وانفتاحا فسهام السافلين بالنسبة إليه رياحين النجاح وورود الإستقبال ووسام الإستحقاق فمتى رأينا في الأمم التي سلفت والحضارات التي مضت والتواريخ التي إنقضت نجاحا بلا ضريبة أو قيامة بلا أعداء أو تطورا بلا مناغص أو إنطلاقة بلا كبوات.
المستحيل الذي نفكر به هو ألا نترك أمتنا تعيش في وهدة الضياع ولا ندعها تتعذب في حفر الأعداء ولا أن نسلم راياتها للمأفونين، لأن من يريدون أن نبقى هنا يرون هذا التفكير مستحيلا.

ماذا أفادت لنا الأصنام المقدسة التي تتشذق كل يوم بالأغاني النجسة التي سيمفونيتها تراجيد للمأساة التي حلت بأمتنا وهو هذا المرض العضال (القبلية) والتي عندما نتحدث عن أمراض الأمم نتناساها وكأنها ليست موجودة ثم نتحدث عن داحس وغبراء وحرب بسوس ولا ننظر إلى واقعنا وحالنا.

يجب أن نفكر بالمستحيل ونتخطى نحن – جيل الأمة الصاعد ويدها البناءة – هذه الحدود المصطنعة وتلك العقلية المتخلفة ولا نترك مصيرنا يحدده رجال تافهون يتحدثون عن الأمور العامة، في حديث صححه الألباني – رحمه الله : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة قيل وما الرويبضة يا رسول الله ؟ قال : الرجل التافه يتكلم في أمر العامة )
ومن هذا المنوال نسج الشاعر السوداني جعفر عباس قائلا :

خنافسُ الأرض تجري في أعِنَّتِها * وسابحُ الخيل مربوطٌ إلى الوتدِ
وأكرمُ الأُسْدِ محبوسٌ ومُضطهدٌ * وأحقرُ الدودِ يسعى غير مضطهدِ
وأتفهُ الناس يقضي في مصالحهمْ * حكمَ الرويبضةِ المذكورِ في السنَدِ
فكم شجاعٍ أضاع الناسُ هيبتَهُ * وكمْ جبانٍ مُهابٍ هيبةَ الأسَدِ
وكم فصيحٍ أمات الجهلُ حُجَّتَهُ * وكم صفيقٍ لهُ الأسماعُ في رَغَدِ
وكم كريمٍ غدا في غير موضعهِ * وكم وضيعٍ غدا في أرفعِ الجُدَد
دار الزمان على الإنسان و انقلبت * كل الموازين و اختلت بمستند.

اللهم إنا نشكو إليك ضعف أصحاب الحق وجرأة أهل الباطل عليهم كما شكى إليك عمر من قبل فكن لنا ناصرا ومعينا. آمين

Share This:

عن محمد نظيف شوكاني

محمد نظيف شوكاني
كاتب وأكاديمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *