الرئيسية » مقالات » الفقراء (كتابة أدبية)

الفقراء (كتابة أدبية)

بينما كنت أرتشف قهوتي في زاوية من زوايا غرفتي المطلّة على شارع المدينة، وبينما أقلّب ناظريّ في جمال الصّباح بكلّ ما فيه، فالشّمس أرسلت لعابها في الفضاء فذاب الجوّ كأنما هو سائل من لجين أو زبرجد!.

لمحت عيني على منظر غيّر طعم قهوتي، وأسلس الزمام لفكرتي ، ورأيتني شاخصا؛ كأنما أصابتني صعقة من سلك كهربائي فجمدت جمود الثلوج .

المنظر كان مؤلما في الحقيقة؛ طفل صغير رثُّ الثياب، حاسر الرأس، حافي القدمين، قد لفّ بجسده رقعة من الثياب، لا تكاد تستر عظامه البارزة، وبينا أنا في ذاك المنظر إذا رأى الطفل باصَّ الحضانة واقفا أمامه، وأمٌّ تجرّ يد ابنها؛ لتركب إياه الباص وهو يمتنع فخطفت عدسة ناظري بسمة لاحت من ثغره فسّرتها بأنّها كانت للإستهجان !.

وكأنه يرسل برقيّته ليقول مالي ولسجونكم التي سميتموها مدارس ولتعذيبكم الذي سميتموه تربية، وهل العلم بعد الوحي إلا تجربة ولّدته أفكارنا-نحن الفقراء- وهل هي إلا من نتاج عقولنا فكرّسوها لكم في الكتب وسطروها على الخشب فأجبروكم على تعلُّمه.

لقد سرّني المنظر رغم أنه ساءني، إن الفقراء حقا يعانون فتتضوّر أمعائهم جوعا ويتقطع داخلهم جزعا ، فلا أحد ينصفهم إلا ضميرهم ولا قلب يحنّ لهم إلا الذي بين جنبيهم ، فهم يتبسمون رغم قلة حيلتهم وثقل حاجتهم وكأنهم يقارعون الحجة بالحجة.

فكلما ضاق بهم الزمن ازدادت قلوبهم سعة وكلما تباعد شبح الأفراح عن أحلامهم كلما اطمأنت قلوبهم بأن الفرج سيكون أقرب من حبل وريدهم، الفقراء هم الحياة، والحياة هم، وهناك من يشوّهون سمعة الفقراء وهم أهل للعداء.

أولئك الذين يتكفكفون الأغنياء ويتمسحون بالوجهاء، فيضعون أنفسهم موضع العبيد ولم يكتب على هذا البليد إلا عبادة الخالق الوحيد، ولا أراهم إلا قطعة من شظايا الأغنياء وتركة من تركاتهم ممن كانوا يكنزون الأموال ويستأثرون بالنّوال فأكلوا حتى بطنوا وشربوا ولم يفطنوا فبوغتوا بزوال النعم وعجز الهمم فلا بطونهم تصبر على الجوع ولا أياديهم تتحمّل مشقّة الكسب، فسقطوا من قمّة جبل الكبرياء إلى هاوية البسطاء فلا يتعزّزون بعزّ الفقراء ولا يتبخترون تبختر الأغنياء ، ولله في خلقه شؤون!.

Share This:

عن محمد عثمان الودلي

محمد عثمان الودلي
كاتب وأديب مقيم في الخرطوم- السودان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *