الرئيسية » مقالات » ما يزرعه الأجداد يحصده الأحفاد (2/1)

ما يزرعه الأجداد يحصده الأحفاد (2/1)

إذا طُرح عليك سؤال يقول: ماذا تعرف عن مدينتي الطائف والمدينة المنورة؟ قد تتلعثم في الأولى وتنفجر بمعلومات في الثانية. قد تسعفك الذاكرة في الأولى أن تقول مدينة أو مدينة في السعودية وأنها قريبة من مكة ومعلومات ضئيلة فقيرة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. هذا إذا كنت ماهراً بالجغرافيا وملماً بمدن العالم أو قرأت شيئاً عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. عكس ذلك معظمنا سيدلي بمعلومات كثيرة عن المدينة المنورة جغرافياً وتاريخياً ودينياً. سيتذكر معظمنا أن جده أو جدته أو أبويه أو أحد الأقارب أو هو نفسه شخصياً شد الرّحال إلى تلك المدينة لأسباب مختلفة زيارة وعبادة، علماً وعملاً. سيذكر صلاته في مسجد النبي ومسجد قباء وأنه زار هنا وهناك من الأماكن الأثرية والتاريخية في المدينة ونواحيها. ستعيده الذاكرة إلى هجرة الرسول إليها ونشيد طلع البدر علينا الشهير وجبل أحد وغزوة أحد وشهداء أحد واستقبال الأنصار للرسول صلى الله عليه وسلم واستضافتهم هو وصحابته الكرام في بيوتهم، ومعلومات وأحداث لا حصر لها حول تلك المدينة المباركة. السؤال لماذا هذه مشهورة وتلك مغمورة؟ وما أصل ذلكم الفرق؟.

الطائف والمدينة المنورة مدينتان سعوديتان، يُعتبران إلى جانب مكة المكرمة وجدة، المدن الرئيسية لإقليم الحجاز التاريخي المعروف. معرفة الناس بالطائف تبقى ضئيلة كما أسلفنا مقارنة بالمدينة التي طار اسمها وشهرتها في الآفاق وتحدث بها الركبان حول العالم المسلمون وغيرهم. ومع أن الأولى ليست بسيطة وأمرها هين، ومع إمكانية تقاربهما في بعض الجوانب إلا أن هناك فوارق كبيرة هامة بين المدينتين في أكثر من جانب.

أهم هذه الفوارق دينية وتاريخية، لكن نجم عنها فوارق دنيوية لا حصر لها. ومع أن كثيراً من معالم المدينة القديمة اندثرت بسبب عدم المحافظة عليها وبسبب الغزو العمراني والأبراج الحديثة الشاهقة، إلا أنه في زيارتك للمدينة يخيل إليك أنك في متحف تاريخي إسلامي مفتوح خاصة في العهد النبوي، أو وكأنك تمشي وتتحرك على كومة من أحداث وأماكن تاريخية؛ حيث كل شارع وكل زقاق وكل سوق وكل مسجد يعيد بك عبر الزمن للوراء، والتلال والوديان والجبال والشعاب تخبرك بحدث جلل جرى قريبا منها أو عليها. فهنا منام الرسول ومدفنه، هناك منزله وهناك مسجده، هنا نزل عليه الوحي وهناك استقبل الوفود. في هذا الطريق سار عليه صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب أو عائد من الجهاد. هنا بيت صحابي، وهناك خلوة تابعي، وبينهما مدرسة عالم واستراحة شاعر ومضافة غني. فوق تلك الرابية كان هناك قصر أمير وإلى جانبه دار خليفة.

من هذه النقطة دافع الرسول عن المدينة عبر الخندق، وذاك جبل الرماة وهناك خط التفاف خالد في غزوة أحد، وهنا خر شهداء أحد صرعى كحمزة ومصعب وسعد وحنظلة وأنس ابن نضر رضوان الله عليهم. هنا موقعة أحد وإلى غير بعيد عنها موقعة حرة وكم الفرق شاسع بينهما. هناك البقيع، وما أدراك ما البقيع؟ وهل تعرف أن أول من وضع في بطنها من أموات المسلمين هو صاحب إسلام المدينة وبطل تاريخها أسعد ابن زرارة؟ أما الطائف فنعرف أنها الطائف فقط.

عدد السكان، عدد الزوار، عدد الرحلات جواً وبراً، عدد الفنادق والنزل والشقق، الاستثمارات الاقتصادية والمشاريع التنموية والمرافق الخدمية والتعليمية، كلها من الفوارق المهمة الأخرى بين المدينتين، وهي جوانب اقتصادية غير دينية تتفوق المدينة على الطائف. والجدير بالذكر أن هذه الفوارق ساهمت عبر التاريخ ولا تزال في رفع شأن أهل المدينة. وفوق هذا وذاك الشهرة والسمعة الطيبة التي اكتسبتها المدينة عبر القرون. فهذه المدينة “طيبة” الواقعة 400 كم شمالي مكة، كانت يثرب، ثم مدينة رسول الله، ثم المدينة المنورة. وباطلاق اسم المدينة عليها صار اسم علم لها ينصرف الذهن إليها مباشرة. ومعناها مَدَنَ بالمكان أقام به ومنها المدينة، فكأنه حين أقام المصطفى في يثرب أصبحت المقام ولم يُعتدّ بغيرها من المدن وهي المدينة. ثم تطور الاسم حتى قيل عنها إلى جانب مكة “الحرمان أو بلاد الحرمين”.

هكذا الحال الآن، أما قديماً وفي عهد البعثة وقبله كانت الطائف أكبر حجماً واقتصاداً وأكثر شهرة من “يثرب”. حتى قالت قريش تعبيراً واعترافاً في عظمتها كما ورد في القرآن الكريم (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) الزخرف 31، تقارنها وتقربها من مكة. إذن، لماذا تغير الحال وانقلب الوضع؟ ما الذي أثر في مسيرة المدينتين وقدم هذه وأخر تلك؟ لنعرف ذلك، نعود للورى خمسة عشر قرناً، ونغوص في بعض الأحداث التي صاحبت انتشار الرسالة الخاتمة، علّنا نجد توضيحاً أو تفسيراً لذلك.

Share This:

عن عبد العزيز عرتن

عبد العزيز عرتن
كاتب وباحث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *