الرئيسية » مقالات » هناك أمي!

هناك أمي!

لو تنكر لي العالم وتجاهل عن حالي الصديق والرفيق ورمتني بالسهام حيتان البحار ورجمتني النمل بحبات التراب وصارت الأشجار على جنبات الطريق تتهجم علي؛ ولو صرخت السباع تتوعدني وتتلذذ لدمي ولحمي؛ ولو تحلولت لجرثومة عفنة تتقزز من روائحها الخلائق كلها – لا قدر الله – هناك من تعتبرني ريحانة الجنة ومسك البيت والعطر الطيب في أنفها.

لو غارت الأعين وظهرت غضاريف عنقي وأصبحت كالشبح، أو ظهرت كهيكل عظمي يصلح كوسيلة إيضاح للتلاميذ في المدارس، وتأفف الجميع عني وعن حالتي ورمقني بعين الشماتة الأعداء وعين الرأفة الأحباب – لا قدر الله – هناك من سترى في تلك العظام جمالا لا يوصف وتتودد إلي وتحملني من جديد وكأني طفل وديع.

لو فشلت في الدراسة ولم أفرق صادا عن سين، وتلعثمت في نطق الكلمات وتبدلت أحوالي وأصبح صاحب الأرقام والشهادات كالبهيمة العجماء، واستغرب الكل حالي ومآل أمري وعاقبة خططي ونهاية مستقبلي – لا قدر الله – هناك من تفتخر بي معلنة التحدي بعلمي ومهارتي.

لو لمع نجمي في سماء كل بطولة و صرت كالشمس أو القمر في ليلة تمامه تحملق حولي الأعين لحسني وجمال آدائي وتتوسل كل نفس تسأل الله مقامي ومنزلتي هناك من تسهر في الليل تدعو الله أن يصرف عني تلك الأعين وحسدها.

لو أصبحت بطل الفتوحات وفقت خالدا في يرموكه وصرخت في وادي المغاوير كقعقاع وصرعت الأبطال في المبارزة كثمامة؛ هناك من ستبكي خلفي تسأل الله أن يحفظ لها وليدها، ولو كان يسمح قانون الحرب لردت بأصابعها كل سيف بتار وكل رشاش غدار .

هناك من تراني ملكا وزعيما مهابا أو إن الزعامة والملك تتضاءل عن أن تصف مقدار ما تراني عليه أنا الدنيا بأحسن حالاتها أو أغلى من الدنيا وما فيها، كلا فإن هذه المقارنة تعتبر إهانة لي بالنسبة إليها فلا يوجد شيء يكافئ قيمتي عندها ولا ما يمكن أن يقيَم به علي من عندها.

هناك من لو كان قانون الدنيا يسمح لحملتني الدهر كله وغسلت قاذوراتي بنصاعة يدها وواستني بأكلة شهية وجلسة مريحة ثم لغسلتني بمياه المسك لأنام هانئ البال، مستريح النفس، قرير العين .

هناك من هناك، هناك أمي ريحانتي وزهرة بستاني والعين الساقية لمزرعتي ، هناك نفس نقشت في صدري إن غابت ما غابت وإن حضرت فالكون بكفة الرحمن الرحيم قدم لي؛ إنها سعادتي وسروري والفرح الذي لا يغادر مخيلتي.

إنها الضرع الذي لا ينضب من الرحمة والحنان و روح العطف وينبوع السعادة فشمس الإنارة بين يديها وسبيل الرشاد مرضاتها فإذا رضيت رضي عني الرحمن وقدم لي الجنان وإذا سخطت علي تحولت الدنيا برحابتها إلى كف عفريت أو عش قطاة وتبوأت مقعدي من النيران ويصبح إبليس الحظ الكالح لنهاري وليلي.

هناك أمي وإذا كانت أمي فقد يممت وجهي للواحد الديان أسأله المعونة في قضاء الدين وقضاء ربي أوفى وأحسن في التسديد، فهو من جعل الجنان تحت رحمة تصرفها، فاذا احتجبت عني احجبت الجنان عني في المعاش والمعاد.

هناك أمي وإذا كانت أمي فلا أستطيع توصيف ما في النفس لها من معاني المحبة والتوقير حتى لو أعطيت شاعرية المتنبي وعبقرية العقاد وسحر المنفلوط ونثر الرافعي وجنون قيس بليلاه وجميع ما في الكون من أدب وبلاغة وبيان لكن كفاني الرحمن بكتابه فجعل أمي آية الرأفة و نهر المودة وعين السعادة في كتابه قائلا : (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) تأمل كلمة وهن على وهن وتساءل بعدها هل رأيت واهنا لا يتخلص مما يوهنه؟ تساءل فالعاقل يتساءل ونصف العقل التساؤل.

تساءل لتوضح الآية بكل جلال أن الوهن هو وهن العطف والحنان، هو وهن الرحمة والرأفة، هو وهن الأمومة؛ فليس أمرا ثقيلا أن تركلك وهي قوة فوق ضعفك أو تتركك للحياة تائها حيرانا فلا مطعم ولا مشرب ولا مأوى بل تسحب عنك الدنيا لتتقلب فوق جمر الحرمان.

وأظنك تتساءل وماذا في الرحمة لتكون وهنا فأقول : ألا يعطل قانون الرأفة والرحمة كل قوة حتى وإن كانت جبارة ولتتم الأمر تساءل بأي قانون إستعمل حتى يربي فرعون في قصره من سيزيل ملكه ويسفه عقله عما قريب إنه دستور الرحمة واقرأ الكلمة في رقتها وعذوبتها وهي تنساب كالماء البارد في حلقوم التائه العطشان في مفازة الهلاك (قرة عين لي ولك.. لا تقتلوه ) إنه الوهن عينه، وتمامه هو ما تعانيه الأم من ثقلنا عليها من ضعف جسدي وصحي حتى أنها لو لم تكن تحمل جنينا لامتنعت عن كل طعام نتيجة تلك الحالة الجسدية والنفسية ولكن تأكل مكرهة بقانون الرحمة مرة أخرى لا لتحيا به ولكن لأن جنينها يحتاج هذا.

وتساءل لم تلت الأم ربنا في الشكر والعرفان وهو من هو في عظمته وجلاله وجماله هل يتساوى الخالق والمخلوق ويقتسمان معروضا واحدا؟ وتمعن في دقة القناص قوله (أن اشكر لي ولوالديك ) لماذا لم يقل أن اشكر لي ثم لوالديك؟ لماذا لم يكن تراخي أو ما يشعر عدم المشاركة في نفس المقام بين خالق الأرض والسماء وبين منبع الحنان الأمهات الغوالي؟!!!

إن كنت مؤمنا حقا فآمن أنه لسبب ما جعل مقام الأمومة تاليا لمقامه جل في علاه وإن شئت تأمل ما يلي :
قال تعالى {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾
(2) قال سبحانه: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا }
وتأكد بعدها أن القضية آكد مما تتصور وأعمق من العمق وأجل من كل جليل وأبين من كل بين فبعدها لا تقطب حبينا ولا تظهر عبوسا فمقام الأمومة لا يتحمل تلك السخافات الدنيئة بل تجول برضاها وترسم الخير بنصائحها وكن ألين من الحرير و أعذب من الماء وحاول أن يكون الكلام منك شهدا والوجه مليحا وجالسها بأدب فمن فاتته جنة الرحمن بحنان أمه سار سفينه إلى جزر الضياع .

Share This:

عن محمد نظيف شوكاني

محمد نظيف شوكاني
كاتب وأكاديمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *