الرئيسية » مقالات » لا يعرفون كيف يضحكون !

لا يعرفون كيف يضحكون !

في الطابق الرابع والعشرون وفي نافذة مطلة على شارع يرتاده الهاربون من ملل الحياة ومن قرّ الخريف الماطر تبدو المدينة وكأنها سجادة زاهية مبسطة على مساحة شاسعة من النور والغموض، نوافذ مضيئة وأخرى معتمة وسيارات تنساب كأنهار أفريقيا قوة وتتابعا، وعمال يحملون ملامح مجهدة وغارقة بتفاصيل الأيام، وأبراج سامقة تعلوها أنوار باهرة كالقناديل.

أراقب نبض المدينة ولا أعرف ما يجري في داخلها. حيوية البشر وكفاحهم ضد الفناء، الاستجابة المفرطة لنداء الطبيعة، أنقياء يعبدون الخالق في زاويا معتمة، وحشاشون يستمتعون بنشوة الجرعات، ومراهقون يضاجعون أيديهم ويمارسون الجنس الذاتي، وسرّاق يتحسسون وسط حقول ملغمة ويسيرون على أصابع القدمين خوفا من صحوة متأخرة لعجوز انتابته نوبة سعال في الهزيع الأخير من الليل، ومرضى نفسيون تقتلهم الكآبة في الغرفات. إنها مساحة مثالية وخالية نستطيع أن نسقط عليها ما نشاء من التصورات والإيحاءات. من بعيد تشبه المدن النفوس البشرية التي لا نعرف كنهها وما يعتريها من الألم والسعادة والأمراض في عالم ربع سكانه يعانون من الأمراض النفسية.

مدينة لا تبلى ولا تشيخ ولا تنقضي زحمتها. باردة الإشراق كما عهدنا، دافئة الابتسامة في كل حين، لها ملامح أمومة ورائحة أبوة وتعج بصخب المجون والملاهي، ويرتفع فيها نداء الإسلام ليذكرنا بالمآل كلما جرفتنا الأمواج بعيدا نحو هاوية الملذات، وفيها ملايين من البشر تدفقوا من الفجاج فمنهم من وجد ضالته، ومنهم من أغرقته الحياة، ومنهم من يحاول الوصول دون أن يملك مقومات الصمود، ومنهم المغرد على قمة النجاح. إنها الدنيا وتلك شجونها. مصممة بطريقة بعيدة عن تمنياتنا وتريد منا الكفاح لتحقيق مطالبنا، ومن أجل تجاوز مطباتها نحن بحاجة إلى التفكير والتأمل حول المستقبل والفرص المتاحة والعقبات التي تحيط بنا.

كانت وحدة الليل تضنيني في مدينة أبعدتني ممن قابلتهم في طرقات الحياة، وبما أن الفن السابع يعطينا مساحة من الألفة كنت ضيفا على سينما يرتادها عشاق الأفلام، ولحسن الحظ كان الفيلم المعروض “Knock Knock” من بطولة ممثل أحببته منذ أن شاهدت سلسلة أفلامه الشهيرة المصفوفة (The Matrix) التي يعتبرها النقاد من أنجح الأفلام في تاريخ هوليوود، الفيلم الذي كسر حاجز المألوف وأثار جدلا دينيا وفكريا وفلسفيا واجتماعيا ووطد أركان الخيال العلمي جعل كيانو ريفز (Keanu Reeves) ممثلي المفضل إلى جانب مايكل جاي وايت، وفاندام، ودي كابريو. ورغم المشاهد الجنسية والبذاءة إلا أنه نال إعجابي وأثار بعض التساؤلات والمخاوف، ولمس وتراً حساسا بعد أن بات الموضوع أبرز المنغصات الموجودة في الحياة الزوجية، وحديث الساعة في كثير من الأحيان.

يتناول الفيلم وبطريقة دراماتيكية تحيطها الإثارة ولا تخلو من الرعب ومفاجأة الحياة التي غالبا ما تكشر عن أنيابها، ضعف الرجال – مهما كانوا وفي مختلف أعمارهم وأوضاعهم وأفكارهم ومناصبهم وأيديولوجياتهم – أمام النساء، والرغبة الجامحة في نفوسهم لإشباع غريزتهم الجنسية، وقليل من يقاوم أمام سلاح المرأة الفتاك، فما بالك بجسدها وتضاريسها وهي عارية وتتفنن في الإغواء وإثارة الشهوة والتعذيب في ليل أمريكي مبلل بالغرابة والعواصف.

لقد مثلت الفنانة الكوبية أنا دي أرماس (Ana de Armas) وكذلك التشيلية لورينزا آيزو (Lorenza Izzo) أدوارهن بتميز شديد يضعن في مصاف النجمات. الأداء المثالي للفتيات إضافة إلى كيانو أضفى على الفيلم مسحة من الجمال والواقعية، وكشف الأفكار الفوضوية والهوس الجنسي وهتك الخصوصيات المنتشر في أوساط “الأجيال الرقمية”.

ورغم أن الفيلم يفتقد إلى اللمسة المبتكرة ويعاني من التكرار وروتينية الحبكة والنهاية المفتقدة لهزة فنية مدهشة – مما انعكس على تقييم النقاد للفيلم وإيراداته المالية نظرا لسقف التوقعات – إلا أننا أمام عمل يتناول مشكلة حقيقية اتسعت دائرتها في عصر المغريات و”مواقع التواصل الاجتماعي، الزوج “الخائن” أو الضعيف أمام مغريات النساء وأجسادهن في عالم تقوده نيوليبرالية متوحشة وباتت المرأة سلعة تباع في الطرقات والحانات والفنادق وتقتحم الحياة الشخصية لإغواء الرجال وهدم عرى الأسر المفككة أصلا في عصر الفلسفة المادية.

لقد تخطت هذه المشكلة كل الحواجز وطرقت معظم أبواب الأسر بطريقة أو بأخرى، وحولت الحياة الزوجية إلى مطبات مليئة بالشكوك والشجار وربما الطلاق، ولم ينج من المتاهة أحد سواء كان قديسا راهبا، أو عاشقا ولهانا، أو سياسيا محنكا، أو رياضيا مشهورا، أو فنانا عالميا، أو شابا مفتونا بالنساء ومعاشرتهن مما يجعل الموضوع مضحكاً ومأساويا. وقد لخصت جينيسيس (لورينزا) هذا الموقف في نهاية الفيلم بمشهد حزين:

You know what’s funny? They never say no. No matter who they are. No matter how much they love their families. You’re all the same.

لقد أرهقني الفيلم بالخواطر وأبعدتني التساؤلات عن الانخراط في الأجواء الاحتفالية، وبتّ وحيدا يكتنفه الصمت في وسط همسة حانية وضحكة صافية تعلوان في قاعة باردة وخافتة الأنوار، كنت أتساءل لماذا حرمنا من السينما وكم ماتت موهبة فنّية بسبب الكبت؟ ولماذا الجمهور الصومالي كان يتذوق الفن والأدب ويحضر المسرحيات بل ويتفاعل معها تضحكه النكات وتبكيه المشاهد الحزينة، ونحن نحارب الفن والإبداع ومات فينا الحس الجمالي؟ لقد غيّرت الحروب القلوب والأمزجة وحولت الشعوب إلى هياكل حزينة “ولا يعرفون كيف يضحكون”!

في صغرنا لم نشاهد الأفلام الكرتونية ولا مسلسلات الأطفال ولم نقرأ قصص البراعم ولم نستمع كثيرا حكايات الجدات، بل كانت الحروب تلاحقنا ثم تؤذينا وتحشرنا في أضيق الزوايا حتى تركت ترسبات من الخوف، ولم نعرف شارل بير، وجوناثان سويفت، والكساندر بوشكين والأخوان الألمانيان غريم إلا في الكبر وفي نهاية العقد الثاني عندما شرعنا في القراءة الجادة وتذوق الأدب وبذلك ظلت الطفولة المتأخرة تعبث وتثير فينا كوامن الشوق، وإلى يومنا هذا وفي منتصف العقد الرابع ما زلت أحمل تلك الطفولة وأنظر بشوق إلى الأرجوحة المتدلية من الأغصان والأحبال في المتنزهات والحدائق العامة، وتستهويني النوم على وقع السرديات الشعبية وممارسة الطفولة في الفضاء الرحب، كبرت ولم تكبر الطفولة بل هي تلاحقني في كل مكان.

كانت طفولتنا ضائعة والدماء تسيل في طرقات مدننا وابتعدنا عن وطننا نحو غربة لا تشبهنا، وفي كل الأحوال وأحلك الظروف كانت الأم هي التي تعطي الأمل وتحمل الهمّ وتمتلك الحضن الدافئ والسلام المفقود وتروينا بعض القصص وكثيرا من الحب. الحرب الأهلي دمر كل شيء وأباد عصبة الأمة وشبابها، وجعلنا أمة تعاني ورغم ذلك لم نجلس ولم نناقش عن بنيته وتأثيرات القوى المتصارعة علينا. ببساطة كنا وما زلنا تائهين في الصراعات الدائرة ولم ندرك بعد أن الاقتتال الأهلي كان إحدى تجليات فكرنا القاصر الذي لم يستطع أن يبتعد عن ركيزة “الهوية القبيلة” ورواسب البداوة والطبائع الريفية إلى دولة عصرية يقودها القانون والتعددية الحزبية والتنافس الحر إلى سدة الحكم. لقد أخفقنا في أن نواكب العالم ونفهم أساسيات الدولة الحديثة وتمسكنا على التقاليد التي أردنا أن نطبقها على الدولة فضعنا وضاعت الدولة! تركنا الأصالة ولم نصل إلى الحداثة.

هل نستطيع أن نبعد شبح الحروب عن أذهاننا وأن نعيش وكأننا لم ندخل يوما حروبا أهلية؟ هل نستطيع أن نتحرر عن الماضي الكئيب؟ أن نوثق قصصنا إذ “لكل منا قصة يجب أن يرويها”؟ لم تنهض أمة من الكبوة إلا وجعلت أسباب العثرات سلّما لارتقاء المجد. ولم يتقدم مجتمع وهو عالق بحمأة الماضي، ومن المثير للسخرية أن النسيان وترك الماضي أمر طبيعي إلا في قطرنا وكأننا مجبرون البكاء على الأطلال ودفن الرؤوس في رمال التاريخ!

يقلقني أن نقترب إلى العقد الثالث من الألفية الثالثة ونحن ما زلنا نتصارع على وطن لم يجد من ينقذه، كما تقلقني أن تسود نفس الأفكار وحتى بعد مرور ثلاثين سنة من سقوط دولتنا. لقد تغير العالم ومعه تغيرت الأحلاف والدول والاتجاهات وتبدلت المعالم، شاخت دول وانهارت إمبراطوريات وقامت على أنقضها دول. عندما كنا دولة قوية كان الاتحاد السوفيتي يقود الحلف الأقوى عالميا وكان الحرب البارد في أوج عنفوانه، وكان تيتو يحكم جمهورية يوغسلافيا بالحديد والنار، كما كانت جنوب إفريقيا ترزح تحت العنصرية والاستعمار، والسود في أمريكا كانوا يعانون من الاضطهاد والتمييز وكانوا يحاصرون على أروقة هارليم والأحياء الكرتونية، واليوم تغير الوضع وحكم السود أمريكا واختفت مصطلحات كانت في عهدها ذات قيمة سياسية وعسكرية رهيبة “ثنائية القطبية” “الواقعية الاشتراكية” ” الستار الحديدي” “الاستالينية” وسقط جدار برلين ودخل العالم مرحلة متقدمة من التطور واخترع الانترنت والصواريخ الموجهة والطائرات المسيرة ونحن مازلنا ندور في المربع الأول، ونفس الفرضيات والسرديات الساذجة تسيطر علي الواقع!

Share This:

عن حسن محمود قرني

حسن محمود قرني
كاتب ومدون صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *