الرئيسية » مقالات » إتقان اللغة العربية وكتابتها

إتقان اللغة العربية وكتابتها

سألني بعض الاخوة على الخاص عن ماذا يحب عليهم ان يفعلوا اذا أرادوا إتقان اللغة العربية وكتابتها بصورة سلسة جميلة؟ وما هي الكتب التي تعين على هذا العرض؟

فقلت في نفسي وما لي ولهذا الامر! فإنني لست الا طالب علم في هذا الميدان ولم ابلغ فيه الى مرتبة تمكنني من ادلاء النصائح وإرشاد المسترشد. وما عليّ اذا كان بعض الاخوة قد استسمنوا ورمي فحسبوا شحمي لحما او استكثروا زادي في اللغة مع قلة بضاعتي. فاذا خلت الديار من اهلها حل الصغار محل الكبار فيرعدون ويزبدون. واذا رحل العمالقة يأتي دور الاقزام فيتطاولون على القامات. واذا قبض العلماء اتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا بغير علم.

أما الخيام فإنها كخيامهم *** وأرى نساء الحي غير نسائها

وبعد، فإنني – مع اعترافي بان بضاعتي مزجاة في هذا الميدان ولست في موقع توجيه النصائح – عزمت على مشاركة الاخوة بخبرتي المتواضعة في هذا المضمار لعلٌ ذلك يلقى الضوء على بعض أسئلتهم ويجدون فيه تعلّة تعينهم على السير في سبل الوصول الى مبتغاهم.

اخوتي الأفاضل، عماد الامر في ميدان الكتابة هو القراءة. فالكتابة تتطلب شيئان ضروريان، وهما تحصيل المعاني والافكار ثم التعبير عن هذه المعاني والافكار بألفاظ عذبة وأسلوب رشيق. فقد يكون المعنى رائعا وجميلا ولكن تضمحل او تضعف روعته اذا لم يسدل المعنى بثوب جميل مناسب للمعنى. وكذلك قد تكون الألفاظ عذبة والاسلوب رشيق ولكن لا معنى لهذا الجمال في اللفظ ورشاقة الأسلوب ان لم يتضمن معنى بديعا او فكرة جميلة.

فالقراءة تمنحك الأداتين الأساسيتين للكتابة. تمنحك توسيع خزانتك اللغوية وتصقل أسلوبك وتجوّد ألفاظك وترقي أسلوبك، وفي الوقت نفسه تمنحك القدرة على توليد الافكار واستلهام المعاني. الكتابة عملية تكاملية بين اللفظ والمعنى، فلا معنى لجودة الألفاظ مع مضمون فارغ، كما انه لا معنى ايضا لافكار جميلة في ثوب بال رث.

ولكن ما ذا نقرأ لترقية أسلوبنا؟

فلكي يترقى اسلوبك لا بد من قراءة الأساليب الراقية للكتاب الكبار قديما وحديثا. ومن تدّبر في أساليب الكبار وانعم النظر في مؤلفاتهم وحسن صياغتهم وتراكيبهم لخليق بان تتكون لديه ملكة يستطيع بها انتقاء الكلمات واختيار الألفاظ وذوقا يمكنه من التمييز بين الأسلوب الجميل والاسلوب الردي. وان كان لي ان أشير الى بعض هذه الكتب في تراثنا فلا بد من التنويه الى كتب الجاحظ ( البيان والتبيين، والحيوان) وادب الكاتب لابن قتيبة، وكتب عبدالله بن المقفع ورسائله وخاصة قصة كليلة ودمنة، ومقامات الحريري والهمداني، ومقصورة بن دريد والمعلقات وكتب مختارات الشعراء. ويحسن الاطلاع على الأمالي لابي على القالي والأغاني للأصفهاني وكتب المحاضرات والتراجم مثل محاضرات الادباء للأصفهاني ووفيات الأعيان لابن خلكان وغيرهم من ارباب اليراعة وفرسان هذا الميدان.

وعلى الكاتب ان يطلع ايضا على أساليب الكتاب الكبار المعاصرين او قريبا من عصرنا مثل كتب مصطفى صادق الرافعي ( وحي القلم، ورسائله) وكتب شيخ الأدباءالشيخ على الطنطاوي وكتب الاديب احمد أمين. ولا تنس قراءة مؤلفات عملاق الادب العربي عباس العقاد وعميدها طه حسين وغيرهم كثير من الأدباء الكبار.

ولا بد من الإشارة الى ان علماءنا في عصور ازدهار حضارتنا كانوا علماء موسوعيين يتقنون فنونا شتى من العلوم في اللغة والأدب والفقه والفلسفة والطب والكيمياء. وآثارهم الباقية دالّة على ذلك. أئمة الفقه والحديث والتفسير كانوا ايضا أئمة في اللغة والأدب. يمتلكون ناصبة اللغة وتنقاد اليهم طوع بنانهم. كتابات حجة الاسلام ابو حامد الغزالي وأديب الفقهاء ابن حزم وامام الحرمين وسيخ الاسلام وغيرهم من العلماء الكبار كلها تدل على إتقان محكم في اللغة وقدرة فائقة على التصرف في الأساليب واختيار الألفاظ. ومن صاحب كتب التراث وداوم الاطلاع عليها فلا شك انه يمرن على أساليب هولاء الكبار.

وقبل كل هذا وبعده، القران كتاب الله هو أفصح كتاب وأمتع اُسلوب وابلغ معنى. فليس هناك كتاب يدانيه في الفصاحة والبلاغة. وهذا ما اعترف به ارباب الفصاحة من أعدائه في عصور الفصاحة (والله، إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى). وكل بلاغة كاتب وفصاحته في الاسلام قامت على بلاغة القران وفصاحته. ومن قرا القران وتدبر معانيه وتتبع أسلوبه ففيه الكفاية كل الكفاية ويجد فيه من البلاغة ما تفرّق في غيره من الكتب.

وقد يكون لي عودة اخرى في الموضوع ان شاء الله.

Share This:

عن عبدالواحد عبدالله شافعي

عبدالواحد عبدالله شافعي
كاتب وباحث صومالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *