الرئيسية » مقالات » للإنصاف وللحقيقة والتاريخ، محاولة لقراءة المعضلة الإثيوبية (1/1)

للإنصاف وللحقيقة والتاريخ، محاولة لقراءة المعضلة الإثيوبية (1/1)

تمهيد:

عقود من الحكم الجائر عاشتها إثيوبيا في ظل انظمتها المتعاقبة ما بين ملك عضوض اغتصب الأرض والعِرض ونظام عسكري قمعي فاقت وحشيته كل تصور ، وبعد سقوط الأخير، دبلج للبلاد واخرج له نظام آخر تحت مظلة الديمقراطية الثورية، لم يكن افضل من سابقيه في جانب قمع الحريات والجور والإضطهاد والفساد، ولكن ربما تحسب له بعض الإنجازات التنموية، ومن رحم هذا النظام وبعد صراع داخلي طويل بين مكوناته الحزبية المكونة لإئتلافه الحاكم ، “حزب الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية” المسمى “يهادغ” خرج لنا حكم جديد، يمني الإثيوبين ويعدهم بالعدل والمساوة والحرية والنمو والإزدهار ، تلكم الأماني الحسان طالما انتظرها الشعب أجيالا خلف اجيال، فهل الحكام الجدد للبلاد فعلا يسعون لتحقيق ذلك ام مجرد ذر للرماد في العيون.

وللإنصاف اقول انه فعلا حقق الكثير والكثير في فترة وجيزة وقياسية، فهو فتح بمصراعيه بابا للحرية، وأطلق سجناء الرأي والكلمة، ونفذ وعوده بالتصالح مع المعارضة بشقيها السلمية والمسلحة ودعاهم للعودة والعمل معا من اجل مصالح الوطن العليا وفتح باب الحوار معهم، كما تحقق في هذه الفترة الوجيزة لإثيوبيا الكثير من الإنجازات السياسية داخليا وخارجيا، اما داخليا فابرز ما تحقق هو تمكن جميع الأقاليم والقوميات من المطالبة والسعي لنيل حقوقها دون خشية من سطوة الحاكم والخوف من قمعه، وان كانت بعد تلك المطالب اتخذت منحا عنيفا، و قد تحقق للبعض مطالبهم كما في حالة قومية السداما التي تسعى لتكون اقليما مستقلا عن اقليم الجنوب وقد تحدد موعد الإستفتاء لذلك، اما خارجيا فأهم الإنجازات تلك التي أُرسي من خلالها دعائم السلام في المنطقة وابرزها المصالحة التاريخية مع الجارة الشقيقة ارتريا، والتي نال بسببها رئيس الوزراء أبي أحمد جائزة نوبل للسلام، وكذلك الإسهام الكبير والمباشر لرئيس الوزراء في تحقيق المصالحة في السودان الشقيق عبر مبادرته التي أطلقها بعد تأزم الأوضاع في السودان ومحاولة تجاوز العسكر والقفز على مطالب الثورة والإنفراد بالحكم فيها، وفي الجانب الإقتصادي والتنموي ايضا انجز الكثير فقد اعلن عن كثير من المشاريع التنموية منها ما ابصر النور كمشروع المتنزه الوطني في القصر الرئاسي الذي تم تدشينه في وقت سابق من هذا الشهر، وايضا تم افتتاح العديد من المجمعات الصناعية التي بدأ العمل بها قبل مجيئ حكومة أبي احمد وتم التعجيل في سير الأعمال في تلك المشاريع بعد مجيئه، وكذلك مشروع سد النهضة المشروع الأبرز لإثيوبيا ونهضتها ينفذ بخطوات متسارعة وقد انجز ٧٠% منه وسيبصر النور عما قريب بإذن المولى، كما ضخت الى البلاد مليارات الدولارات من الإستثمارات الأجنبية، وكذلك مليارات الدولارات من المنح والدعم من الدول الصديقة والشقيقة وأيضا تلك التي تسعى لمد نفوذها وكل له مآربه، اما تشجيعا للحكومة على اصلاحاتها الجارية كبعض الدول الديمقراطية، واما مدا للنفوذ ومحاولة للتأثير على القرار الإثيوبي، وغيرها من الأغراض.

كل هذه الإنجازات الكبيرة وغيرها التي لم اذكرها لعدم الإطالة، تحسب لصالح الحكومة التي يترئسها ابي احمد ومن الإجحاف والظلم حقا انكارها، ولا نستطيع ان ننكر ايضا بروز دور اثيوبيا اقليميا ومحليا وتبوأها مكانتها الحقيقية كفاعل قوي ومؤثر يصعب تجاوزها بسهولة، والفضل أيضا في هذا يعود لأبه احمد وحنكته وحكمته وكذلك حكومته.

بجانب كل هذه الإنجازات التي اشدنا بها واشاد بها معنا العالم، هناك ايضا اخفاقات يصعب غض الطرف عنها، وتجاوزها، فالبلاد تعيش على صفيح ساخن ويزيد سخونة واحراقا يوما بعد يوم ، وذلك بفعل الإضطرابات والقلاقل الأمنية فقد اهملت الحكومة معالجة القضايا المسببة لتلك الإضطرابات واخفقت في فتح وادارة حوار مجتمعي شامل على مستوى الوطن، ونستطيع ان نقول ببالغ الأسف بأن إثيوبيا تعيش أسوء فتراتها في عدم الإستقرار الداخلي، فلم نسمع عن تقاتل القوميات وتصارعها بهذا الشكل الكبير، لم نسمع ان إهدار الإخوة لدماء بعضهم البعض وهم يتشاركون الكثير فيما بينهما كصراع الأشقاء العفر والصومال، والصراع الدامي في الإقليم الجنوبي وصراع الأورومو مع اقليم الصومال، والصراع في منطقة ولو بين السكان الأروميين والأمهرة وصراع التغراي والأمهرة على منطقة ولقايت وغيرها، والأمهرة مع القمانت في غوندر، وأيضا الأمهرة مع إقليم غامبيلا في الجنوب الغربي، والإضطرابات في ولغا، والقلاقل الأمنية في منطقة “ميزان تيبي” في الجنوب التي تعيش تحت حالة الطوارئ من فترة والصراع الديني المشتعل واحراق الكنائس والمساجد ، الصراع الديني ليس فقط بين الدينات المختلفة بل بين الدين الواحد على الزعامة والقيادة كما نشاهد مؤخرا الصراع في الكنيسة الأرثوذكسية، و و و…الخ، بإختصار إثيوبيا تحولت الى كتلة من الصراعات المشتعلة تزيد اضطراما كل يوم، فأين هي الحكومة الفيدرالية من كل هذه الصراعات والإضطرابات، وهل أسهمت الحكومة في تغذية تلك الإضطرابات والصراعات بشكل او بآخر ومن هم الفاعلون الأخرون في الأحداث والمشعلون لفتيلها، وهذا ما سوف أحاول البحث عنه والإجابة عنه في الأجزاء القادمة.

بعد هذه المقدمة التمهيدية، في الأجزاء القادمة أحاول تناول من وجهة نظري المتواضعة مواقع الخلل، واسباب الوضع الأمني المتردي والجهات المتسببة في هذا الوضع القائم وسبل حلها ومعالجتها، والصراع القائم بين الأقطاب في الدولة، ومعركة كسر العظام ولي الأيادي بينها، وسوف احاول تحليل الأوضاع ومحولة التنبأ للمآلات، ودمتم بخير.

Share This:

عن عبد المعين عبد السلام

عبد المعين عبد السلام
كاتب إثيوبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *